القيلولة سنة مهجورة

رغم
كثرة الأبحاث العلمية التي تناولت القيلولة، ومع أهمية هذه الأبحاث،
فإننا نشير إلى القيلولة على أنها سنة نبوية مهجورة، وحين يطبقها المسلمون
يطبقونها اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكون في فعلها اتباع
للنبي صلى الله عليه وسلم ينال منه المسلم ثوابا من الله تعالى، مع ما فيها
من الفوائد.

ومن المعلوم أن القيلولة هي نومة وسط النهار، وكان
من السنة أن يقيل المسلمون إذا كان الجو حارا، ويؤخرون صلاة الظهر، فيصلون
جماعة، وليس فرادى، إلا يوم الجمعة، فإنهم كانوا يبكرون بالصلاة، ثم
يقيلون بعدها.

أخرج ابن ماجه بسنده عن سهل بن سعد، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : "‏ما كنا ‏ ‏نقيل ‏ ‏ولا ‏ ‏نتغدى إلا بعد
الجمعة"، وفي صحيح البخار ي ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏قال: "كنا نبكر بالجمعة
‏ ‏ونقيل ‏ ‏بعد الجمعة".

ويلاحظ أن الصحابة كانوا يحرصون على
وقت القيلولة حرصا شديدا، حتى إن أحدهم إن لم يستطع القيلولة بالبيت، قال
في المسجد، وهذا ما يظهر من حكاية خصام علي مع فاطمة، والحديث أخرجه
البخاري ‏عن ‏ ‏سهل بن سعد ‏ ‏قال:‏ جاء رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏
‏بيت ‏ ‏فاطمة ‏ ‏فلم يجد ‏ ‏عليا ‏ ‏في البيت فقال :أين ابن عمك؟ قالت:
كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم ‏ ‏يقل (ينام القيلولة) ‏ ‏عندي.
فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لإنسان: انظر أين هو. فجاء فقال:
يا رسول الله، هو في المسجد راقد. فجاء رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏
‏وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب فجعل رسول الله ‏ ‏صلى الله
عليه وسلم ‏ ‏يمسحه عنه ويقول ‏: "‏قم ‏ ‏أبا تراب، ‏ ‏قم ‏ ‏أبا تراب".

بل الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحافظ على نومة القيلولة،
فقد أخرج البخاري عن ‏أم حرام بنت ملحان ‏ ‏أخت ‏ ‏أم سليم ‏، أن رسول
الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال عندهم، فاستيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت يا
رسول الله: ما أضحكك؟ قال ‏: ‏رأيت قوما ممن يركب ظهر هذا البحر كالملوك
على الأسرة. قالت : قلت يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: فإنك
منهم. قالت: ثم نام فاستيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت يا رسول الله ما أضحكك؟
فقال مثل مقالته. قالت : قلت يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم.
قال: أنت من الأولين. قال فتزوجها‏عبادة بن الصامت ‏ ‏فغزا في البحر
فحملها معه، فلما رجع قربت لها بغلة لتركبها ‏ ‏فصرعتها، ‏ ‏فاندقت عنقها
فماتت.


فوائد القيلولة الإيمانية

وإن كان للقيلولة فوائد صحية، أشارت إليها الأبحاث، فإن للقيلولة فوائد إيمانية، أهمها :

- إراحة الجسم حتى يستطيع القيام بالعبادة، فكلما كان الجسد في راحة،
بعيدا عن الإجهاد والتعب، كان أداء الإنسان لعبادته أفضل، وفرق بين من
يتجهز للصلاة والطاعة، وبين من يفعلها إسقاطا لأداء الواجب، ولعل أحدنا
يتذكر يوما كان فيه مجهدا، فقام للصلاة، فما وجد فيها إلا أداء للحركات،
بغية إسقاط الفريضة، أو أنه قرأ القرآن وهو مجهد، فما عاش مع معانيه، ومن
هنا، فإن إراحة الجسد بالقيلولة فيه دعوة لإتقان العبادة.

-
الاستعداد لقيام الليل، فإن استرخاء الجسد بسنة القيلولة لا يجعل الجسد
ينام كثيرا، مما ينهض أصحاب الليل لأداء أشرف عبادة في الإسلام، وهي قيام
الليل، فقد أخرج ابن ماجه والطبراني عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي صلى
الله عليه وسلم: "استعينوا بطعام السَحَر على صيام النهار،
وبالقَيْلُولَةِ على قيام الليل‏". قال أحدهم: وإنما تطلب القيلولة لمن
يقوم الليل ويسهر في الخير فإن فيها معونة على التهجد، كما أن في السحور
معونة على صيام النهار، فالقيلولة من غير قيام الليل كالسحور من غير صيام
النهار.

- والقيلولة مما يساعد الإنسان على المحافظة على صيام
النافلة، فقد أخرج البزار كما في اللآلئ من حديث قتادة سمعت أنسا يقول:
ثلاث من أطاقهن أطاق الصوم‏:‏ من أكل قبل أن يشرب، وتسحر، وقال، يعني نام
بالنهار وقت القيلولة.

- القيلولة من شيم الصالحين، وقد كان
السلف رضوان الله عليهم يحرصون عليها أشد الحرص، لما لها من أثر كبير في
حياة الإنسان، حتى إن الواحد ليتابع عماله وأهل بيته في المحافظة عليها،
ففي حديث مجاهد قال: بلغ عمران عاملا له لا يقيل، فكتب إليه أما بعد فقِلْ
فإن الشيطان لا يَقيل.

وعن أبي فروة أنه قال القائلة من عمل أهل الخير، وهي مَجَمَّة للفؤاد، مِقْواة على قيام الليل.

فهل نعود إلى سنة القيلولة، أم تتيه منا في زحام العمل؟ !