منتدى الفتن

منتدى اسلامي عام لأهل السنة والجماعة ويبحث في الفتن الحالية والمستقبلية وظهور المهدي وتحفيظ القرآن الكريم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
                                                                                               
                                                                                                                                                                                             
                                
   
 
                                                                                                                                                                                                                                                                                                          

شاطر|

فلسفة الأضداد( الحب والكراهية )عند ابن حزم الأندلس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل
كاتب الموضوعرسالة
ابوانس
عضو مجتهد
عضو مجتهد


الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 435


المشاركة رقم 1 موضوع: فلسفة الأضداد( الحب والكراهية )عند ابن حزم الأندلس الأربعاء 21 نوفمبر 2012, 8:01 am

فلسفة الأضداد( الحب والكراهية )
عند ابن حزم الأندلسي في كتابه طوق الحمامة


م.د. وفاء رفعت العزي
الكلية التربوية المفتوحة/العراق / الموصل

يعد كتاب طوق الحمامة في الألفة والالاف لابن حزم الأندلسي (384 ـ 456 هـ \ 994ـ1064م) من أدب الحب ، تتبلور فيه رؤى ابن حزم للحب وضده الكراهية ، ويكشف عن غاياته في تأليفه لهذا الكتاب ، الذي هو رسالة وصف الحب ومعانيه ودوافعه وإعراضه على وجه الحقيقة كما هو في الحياة وكما هو مألوف .
ولا يخلو الكتاب من وجهات فلسفية عن الحب ، وواقعية قائمة على الحوادث الحياتية لتجارب الحب وقصصه الممتدة على مر الزمان ، فللحب علامات خاصة به تلازمه ، وقد تكون ثابتة في كل الأجيال كشف عنها ابن حزم من خلال التحليل المنطقي والفلسفي لها ، ركز فيه على بيان أسباب تلك العلامات ( الخصائص) وصلتها بالحب .
وتتجه فلسفة الأضداد ( الحب والكراهية ) من خلال علاقة الرجل بالمرأة ، أو علاقة الإنسان بالآخر ، ومدى ما يؤدي الحب من خلال تغاير علاماته إلى ضده ( الكراهية ) ، ومن ثم أثرهما في النفس الإنسانية باعتبار أن الحب رغبة في النفس ، هذه الرغبة قد تتحول إلى تأجج عاطفي وسلوك متوقد بالأمل والرغبة في الحياة وإلا تحول إلى كراهية متأججة بالشر والعتمة النفسية المظلمة للحياة ، وهذه العلامات المتضادة مع الحب حسب رأيه : ((هي على قدر الدواعي والعوارض الباعثة والأسباب المحركة والخواطر المهيجة والأضداد إزاء الأشياء إذا فرطت في غايات تضادها ووقفت في انتهاء حدود اختلافها ، تشابهت قدرة من الله عزّ وجل تضل فيها الأوهام ، ؛ فهذا الثلج إذا أدمن حبسه في اليد فعل فعل النار، وتجد الفرح إذا أفرط قتل ، والغم إذا أفرط قتل ،والضحك إذا كثر واشتد أسال الدمع من العينين وهذا في العالم كثير. )) ، فللحب حدود إن تجاوزها فقد تؤدي إلى ضدها (الكراهية) وما ينتج عنها من ردود أفعال قاسية في وقعها على المحبين ، وتوزعت فلسفة الأضداد في هذا البحث على محورين : الأول : الحب والكراهية ، قراءة ضدية ، والثاني: الحب والكراهية ، قراءة توافقية ،وغاية البحث هي ذاتها غاية ابن حزم في تأليفه لهذا الكتاب التي تتجلى في الكشف عن هذه الأضداد ودوافعهما وعلامتهما ، بغية تأسيس ثقافة خاصة بالحب ومتغيره ـ الكراهيةـ هذه الثقافة المبنية على إيجاد السبل للتوافق والانسجام بين الناس من اجل بث روح الحب والخير بين الأجيال القادمة ، فالكتاب والآراء الفلسفية التي احتواها عن الحب والكراهية قامت على غايات تعليمية ، تقدس الحب والوئام بين الناس ، وترفض الكراهية المقيتة .


Reversion Philosophy (Love and Hatred)
by Ibn Hazim Al-Andalussi in his book "Tawq Al-Hamama"

The Summary
By: dr. Wafa'a Refat Al-Izzi
The Open Educational College
Iraq - Mosul
Ibn Hazim Al-Andalussi's book "Tawq Al-Hamama" (384 – 456 H / 994 – 1064 A.D) is considered from the romance literature. In this book he concentrates on love and its reverse hatred and he reveals his aims through this book, which is a letter of describing actual face of the meaning, impulse and displays of love in the life as it is familiar.
The book contains also philosophical points of view of love and the reality that is based on life experiences through the love stories along the life period. Love has its own signals and these are related and fixed with all the generations. This can be seen through Ibn Hazim's philosophical and logical analysis for it. Here also he concentrates on displaying the causes of those signals with its relation with love.
The philosophy of reversion (love and hatred) goes through the relation ship between the husband and the wife or between one another and how the signal of love changes into hatred and its effect in the human feelings which is regarded as a desire in soul. This desire may be changed into emotional motive with behaviour of hope and desire in life or may be changed into hatred which is motivated with evilness and unwilling to live and these remarks as his opinion. So love has its limit if it goes more than that it will change into hatred with its hard reactions on the lovers. The reversion philosophy is stated in this research through two points: First, love and hatred a reversion reading. Second, love and hatred a correspondence reading. The aim of the research is the same as by Ibn Hazim in his book that clarifies the reversion and its motive and signals to estate the culture of love and its converter "hatred" and this culture is based on finding the ways to harmony between people in order to give love soul and goodness in the coming generations. The writers and the philosophical opinions that contained of love and hatred are based on educational purposes that evaluates love and harmony among people and they refuse hatred.




التمهيد: مصطلحات

أولا: فلسفة الأضداد
شهد التراث العربي العديد من الكتب التي ألفت في( الأضداد) التي عدت ظاهرة مألوفة في اللغة العربية وهي أحدى خصائصها ، ومن ابرز هذه الكتب: الأضداد للأصمعي ، والسجستاني ، وابن السّكيت ، وقطرب ، وابن الأنباري ، وأبي الطيب اللغوي ، وابن الدهان ، والصاغاني ، وغيرهم ، واختلفوا في تحديد الأضداد ، وقبل أن نتطرق لآرائهم ، نعرج على المعاجم اللغوية التي ترى :
أن الأضداد جمع ضد وهو من ( ضدد) : وهو كل شيءٍ ضادَّ شيئاً ليغلبه ، والسواد ضدّ البياض، والموت ضدّ الحياة ، والليل ضدّ النهار ، إذا جاء هذا ذهب ذلك ، وضدُّ الشيءِ وضديدُه وضديدتُه خلافه ،وضدُّه تعني أيضا مِثْلُهُ عنه وحده والجمع أضداد ، ولقد ضاده وهما متضادان .
وقد يكون الضِّدُّ جماعة والقوم على ضِدِّ واحد إذا اجتمعوا عليه في الخصومة ، وقال بعضهم الضدُّ : مِثْلُ الشيء وخلافه ، والضَّدُّ المملوء وضادك فلان ، إذا خالفك .(1)
ووجه الاختلاف في الأضداد أنه يأتي في ثلاثة مستويات في ألفاظ اللغة العربية وهي :
.
1ـ تسمية اللفظة الواحدة للدلالة على معنيين متضادين ، أي أن تأتي باسم واحد لشيء وضده ، من ذلك استعمال العرب مثلاً (الجون) للدلالة على الأسود والأبيض ، و(الجلل ) للعظيم من الأمور ، وللصغير منها ، ومن الكتب التي قامت على هذا الحد أبو حاتم السجستاني ، والمبرد وثعلب في ( المجالس) وغيرهم .(2)
2ـ والأضداد : لفظتان أحدهما ضدّ الآخر ، أي اختلاف تضاد لا اختلاف تغاير ، وهذا ما أجمعت عليه كتب فقه اللغة العربية القديمة والحديثة .(3)
3ـ الأضداد جمع الضدّ ، ((وضد كل شيء ما نافاه ، نحو البياض والسواد والسخاء والبخل ، وليس كل ما خالف الشيء ضدَّاً له ، ألا ترى أن القوة والجهل مختلفان ، وليسا ضدين ، وإنَّما ضدُّ القوة الضعف ، وضد الجهل العلم، فالاختلاف أعم من التضاد ، إذ كل متضادين مختلفين وليس كل مختلفين ضدين .))(4) وهذا ما ذهب إليه أبو الطيب اللغوي .
وهنالك من يرى أن الأضداد هي : ((اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين.فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس وذهب.واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو: ذهب وانطلق.واتفاق اللفظين والمعنى مختلف قولك: وجدت عليه من الموجدة، ووجدت إذا أردت وجدان الضّالة. وأشباه هذا كثير)) (5)
وهنالك من أنكر على العربية وجود هذه السمة كمثل ابن درسويه وألف كتابه ( إبطال الأضداد )، وكذلك أبو الحسن الآمدي حين عدوا التضاد من الاشتراك اللفظي ولم ينتبهوا إلى أنه غير مبني على التغاير ، بل على الاختلاف والتناقض . (6)ولا غريب أن نجد أن بعض كتب الأضداد جمعت العديد من الألفاظ التي فيها اختلاف تغاير دون وجود الأختلاف وعدوها من الأضداد وهذا اللبس هو الذي جعل ابن درسويه وأبو الحسن الآمدي أن ينكروا التضاد لعدم لمسهم للفرق بينه وبين الاشتراك اللفظي وهو أن تحتمل اللفظة الواحدة لمعنيين ، أو أكثر ، والاشتراك أيضاً ما اتفق لفظه واختلف معناه .(7)
وأسباب الاختلاف في تحديد الأضداد يعود إمَّا لاختلاف اللهجات فيكون للفظة الواحدة استعمالان متضادين ، كما هو في لفظة ( وثب) التي تعني (قفز وطفر) لكنها في لهجة حمير تعني جلس ، وعموم المعنى يمنح اللفظة القدرة على الدلالة على معنيين متضادين ، كما في لفظة (المأتم) التي كانت تدل على اجتماع النساء في الخير والشر ، لكن اللفظة في تطورها الدلالي فقدت هذا التضاد لتدل على اجتماعهن في الحزن فقط .
فالأضداد هو اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين ‏,‏ وهو القياس الذي يجب أن تكون عليه الألفاظ ‏,‏ لأن بذلك تنفصل المعاني ولا تختلط وهذا يعني إخراج كل الألفاظ التي تتفق في اللفظ وتختلف في المعنى لأنه ليس من الأضداد (8)

الأسباب الحقيقية للأضداد من الوجهة اللغوية هي :
1ـ حدوث الأضداد بسبب التغيير الصوتي للألفاظ: لأن التغير الصوتي لأحد اللفظين المختلفين في اللفظ والمعنى قد يجعلها متساوية مع الأولى في اللفظ كما في تضاد عدد من أسماء الفاعل والمفعول من الفعل الأجوف على صيغة افتعل والفعل المضعف على صيغة فاعل.
2ـ إن الاشتقاق قد يؤدي إلى توليد ألفاظ قد تؤدي معاني متضادة أو شبه متضادة، منها على سبيل المثال: لفظة (تصدّق) لها معنيان مختلفان وإن كان اللفظ واحد وهما: أعطى الصدقة، وسأل الصدقة، وكذلك أفزع: أخاف، وأزال الفزع وغيرهما .
3ـ أضداد لأسباب دلالية: وتحدث بسبب اختلاف اللهجات كتخصيص لفظة ( المأتم) الاجتماع في حزن أو فرح. أصل أتم: اجتمع ، أو بسبب التطور الزماني للغة وما يعتريها من تغير في الأحوال والظروف كاختلاط العرب بغيرهم فتأتي ألفاظ معاكسة في استعمالها العربي، مثل: الجون: الأسود، والجون: الأبيض. جون كلمة فارسية معناها اللون، وقد اقترض العرب هذه الكلمة وتخصص معناها عند بعضهم باللون الأسود وعند البعض الآخر باللون الأبيض. ، مما ولد الاختلاف في اللفظ الواحد ليدل على الضدية في الكثير من الألفاظ ، على نحو لفظة (لطع) بمعنى كتب ، ومحا في حين كان معناها الأصلي هو : ضرب ولحس ، وفي نفس المعنى لفظة (لمق) بمعنى كتب ومحا ،أو أن العرب تستعمل اللفظ في معان متضادة مع المعنى الأصلي للتفاؤل أو عكسه للتطير ، ومن التفاؤل قولهم للأعمى البصير، ليتجاوزوها عن معناها الأصلي وهو قوي النظر ،والتطير مثل قولهم للملدوغ سليم .
فهذا هو التفسير فقه اللغة للأضداد ، أمَّا التفسير الوجودي والإنساني للتضاد فيتأتّي من خلال الإنسان ورؤاه المتعددة في توليد الأضداد أو وجودها في حياته والكون الذي يستمد منه فلسفته الخاصة في رؤية الأشياء والمكونات الأخرى التي ارتبط بها كنتيجة تفاعلية بينه وبينها ومن هذه الرؤى الفلسفية التي كونت الأضداد هي:
1ـ الرؤية الإدراكية : وقد يكوّن الإنسان التسميات حول الأشياء المدركة بالحواس أو بالعواطف من خلال ما يمتلكه من نفس مدركة لها وتستقبلها بذاتيته هو ، وهذه الرؤية الإدراكية هي بالنتيجة تولد وتشكل التسميات من منطلقات هذه النفس الإنسانية لما هو في الطبيعة ، وما تثيره هذه الطبيعة من تأثير يدركه الإنسان ويثيره نحوها .
2ـ الرؤية الإيديولوجية : وتعني وجهة النظر الخاصة بالإنسان ، فمثلاً : فلسفة الموت والحياة ، أو البقاء والفناء ، أو الدنيا والآخرة تولدت من خلال وجهات نظر الناس المستوحاة من القيم النسبية الذاتية لشخصياتهم ومن الفهم الغريزي في بعض الأحيان ، وهذا ما ولد الأضداد حول الحياة وتطورها إلى الموت وغيرها من الأمور التي تتشكل بسبب الرؤية الإيديولوجية لها وما تفرزه معتقداته من متضادات حيوية يتأثر هو بها أساساً مما تتحدد وجهات نظره حول الأشياء المحسوسة والمعنوية وكنتيجة حاصلة تنبثق منها الأضداد وتتولد الألفاظ المتضادة .
3ـ الرؤية النفسية: التي تتكون من تداخل الرؤية الذاتية مع الرؤية الحقيقية ( الموضوعية) ، لأن الرؤية الذاتية النفسية هي التي تحدد رؤيتنا الموضوعية للأشياء ، أي الرؤية الشخصية للأشياء والأحداث قد تتضارب مع الرؤية الشخصية للآخرين فتولد أضداداً نفسية مختلفة ، فرؤية النفس الإنسانية للحياة تختلف بين الناس فمنهم من يراها من نفس متفائلة جميلة مضاءة ، أو من نفس متشائمة تراها مظلمة حالكة .
4ـ الرؤية التعبيرية :وكنتيجة حتمية للرؤى السابقة واجتماعها معاً في الإنسان تتولد رؤاه التعبيرية والأدائية اللغوية ومن ثم تقعيد الألفاظ التي قد تتباين في اتفاقها أو تضادها والتي من خلالها يعبر الإنسان عن كل ما يختلج في ذاتيته من أفكار وأحاسيس، كل حسب تفاعله الحياتي ، وحسب إمكانياته التعبيرية التي يمتلكها كثروة لغوية مستنبطة من رؤاه المتجددة والمتغيرة .(9)
ومن الجدير بالذكر إنَّ في حياتنا الحالية تصارع الأضداد ، والجدل الدائر في العالم ما هو إلا جدل الأضداد( الحب والكراهية ) بين الحق والباطل بين الخير والشر، بين الألفة والافتراق، بين الالتقاء والخصام وهي تغطي بتأثيرها على كافة النشاطات الفكرية والعلمية والاجتماعية والدولية ، وهي خلاصة الوعي البشري وفلسفته في البحث عن الحقيقة.
ولكن كيف نؤسس لحياة آمنة ، غير مروعة بالحرب والموت والألم ، لا يمكن أن يكون إلا بغلبة كفة الحب على ضده الكراهية من خلال السيطرة على استمرار الحب وتغلبه في النفوس وتقوية مقوماته وسبله في الانتشار بين الناس وزرع الثقة بالمستقبل الذي بات يخيم عليه البؤس والألم والموت بسبب تصارع الأضداد .



ثانيا: فلسفة الحب والكراهية
لم تكن الفلسفة فكراً عبثياً ، أو شطحات فكرية غير مستندة على أساس ، وهي ليست أفكاراً أو آراء بدون منطق ، وإنما الفلسفة فكر منظم مبني على التجارب والأفكار المفسرة بنظريات راسخة بالواقع والطبيعة تتناول موضوعات متعددة كالوجود والمعرفة والإنسان وما يستنبط لحياته من قيم ، وبذلك تصبح الفلسفة فكر عقلاني منطقي تأملي ، وفكر نقدي لا تؤمن بوجود معارف ثابتة ومطلقة .وبما أنَّ الحب حالة من حالات الوجود الإنساني وحتمية أساسية لإنسانيته والوعي الذاتي لها (( هذا الوعي بالنفس باعتبارها ذاتية مستقلة ، الوعي باتساع حياته القصيرة ، الوعي بأنه ولد بدون مشيئته وسوف يموت ضد مشيئته )) (10) ، أي أن الحب هو القدرة على الحياة ، وكلما كبرت هذه القدرة كلما صار بقاؤه فيها جميلاً ورائعاً ، ومدى روعة الحياة تتحدد بإمكانيات الحب في الالتقاء بالآخرين والتواصل معهم بانسجام وتعاون ، وألفة وكل هذا الحب وحده يمنح الثقة في التواصل والاستمرار المجدي للتفاؤل بمستقبل لابد أن يكون منعماً بالرفاهية والسعادة . ويمكن تعريف الحب بأنَّه (( علم تهذيب النفس والشعور بجمالها والسمو بها إلى قمة الإنسانية ، وهذا المفهوم العلمي الحديث يوضح بجلاء تام ، إنَّ الإنسان لا يمكن أن يسمو ويصل إلى مرتبة الحب ، إلا إذا كان هذا الإنسان عظيم النفس ، واسع الأفق ، فحواسه مشغولة عن كل ما في الحياة بمن يحب ، وحيث أن هذا الشعور صادر عن عمق ، ونشوة ، أو ألم في أعماق النفس المحبة . )) (11)
ولما كانت الفلسفة فكراً قائماً على موضوعات متعددة، كالوجود، والمعرفة، والقيم ، وما زالا (الحب والكراهية) من أشد الموضوعات التصاقاً بالفلسفة التي تبنى أساساً على التأمل الفكري ،وإن كانت العواطف لا تنتمي إلى الفلسفة لكن الإنسان يبقى لغزاً تدور حوله الفلسفة لأنه جزء من الوجود والعالم اللذين يستمر التفلسف حولهما ، وما دامت العواطف الإنسانية هي حصيلة حياة الإنسان في هذا الوجود ، فلابد أن تأخذ حيزاً كبيراً من الفلسفة التي هي بالضرورة الرقيب الناقد لها والمحلل لمعطياتها الإيجابية أو السلبية ، وفلسفة الحب والكراهية قائمة على مر العصور ، ومن هنا لابد من وقفة في تحديد ماهية الحب في كونها متغيرة إلى الكراهية في حالة فقدان مقوماتها الأساسية .
وردت تعريفات كثيرة للحب وقد تختلف أحياناً فيما بينها ، وتتفق في بعض الأحيان وذلك حسب المنظور الذي يؤطر فيه الحب ، منها :
فمن الوجهة الدينية ترى الحب من ناحية الخير والشر ، أو من ناحية الحلال والحرام ، أو تعد الحب والكراهية غريزة أو فعلاً إنسانياً محضاً ، فهي ترى الحب والكراهية من هذه الأضداد وحسب وجودها في معتقدات المجتمعات الإنسانية والتي تتكون بديهياً من (( موقف الأديان من الأشياء المحبوبة والأشياء المكروهة ، تلك هي سيكولوجية الحب والكراهية ، فبعض الأديان تحدد الحرام والحلال الحرام هو المكروه والحلال هو المحبوب في ضوء الأشياء في حد ذاتها ، وبعضها الآخر يحدد الحرام والحلال في ضوء التقدير الشخصي للأشياء في ظل المبادئ البديهية ، أو المبادئ العامة التي يقررها الدين، وبتعبير آخر نقول إن بعض الأديان تحدد بالتفصيل ما يجب الإقبال عليه وما يجب العزوف عنه.)) (12)
ومن موقف الأديان للأشياء تتبلور الأخلاق الحميدة المحبوبة والأخلاق الرديئة المكروهة.
أمّا من الوجهة النفسية ، فمنهم من يرى أن الحب والكراهية ينحصر في دائرة الجنس ووجود الحب وتغيره نحو الكراهية هو ما يسميه فرويد بالتناقض الوجداني ، في حين يرى أرسطو والفلاسفة العرب إن الحب والكراهية هما نتاج تفاعل بيولوجي يولد قوة وجدانية متفجرة ، أي (( إنَّ الخامة الوجدانية غير المتعينة هي حب ، أو كراهية بالقوة ، بمعنى أنها باحتكاكها بالخبرات وبالواقع الاجتماعي فإنَّها تستحيل إمَّا إلى حب ، وإمَّا إلى كراهية ، حسب ما يعتمل في نفوسنا من حب وكراهية للأشياء، أو الأشخاص .))(13)
ومدى الاستعدادات الوجدانية للإنسان للاستجابة ،أو الرفض ، يتولد الحب ، أو ضده الكراهية، غير أنَّ المنظور الفلسفي للحب والكراهية الذي يطرح سؤالاً جوهرياً وهو : لماذا نحب ؟ ولماذا نكره ؟ والوجهات الفلسفية تجيب على هذا السؤال بطرق متنوعة ، منها إنَّ الحب تصور ذهني فإذا كان إيجابي يتناسب مع الواقع فإنّه حب ، وما اختلف فهو كراهية ، أي معيارية قبول الواقع لها هي التي تحدد الحب والكراهية ، في حين يرى فلاسفة آخرون ارتباط الحب والكراهية باللذة أو الألم ، أو المنفعة والضرر.
أما العقلانيون فإنَّهم يرون (( أنَّ الفكرة تولد العاطفة ، فأنت تحب وتكره لأنك تصورت بذهنك الشيء أو الأشياء أو الأشخاص الذين يلتف حولهم وجدانك بالحب أو الكراهية ؛ فإذا أنت عمدت إلى تغيير أفكارك ، فإنَّ وجدانك أيضاً يتغير ،إذن فعليك بالاستنارة والتبصر الفكري حتى تتعدل شئون عاطفتك . )) (14) والبحث في حقيقة الحب يقودنا إلى استذكار قصص الحب القديمة العربية منها وغير العربية والتي تجسد فيها الحب كقيمة وجدانية إنسانية عليا يتفانى المحبانِ فيها حتى الموت ، أو السعادة واللذة ، وكأن الحب هو عاطفة روحية تتوحد فيها الأجساد والأرواح معاً ، وبشكل مثالي مرة ، أو واقعي حقيقي ، أو متخيل ، أو هو وجود لماضٍ سعيد مترف بالعشق والمودة والامتداد الإنساني نحو الحياة ليصبح الحب ضرورة لا استغناء عنها لكل الأجيال ولكل الأزمان والأماكن .
ويبقى الجدل الفلسفي حول الحب والكراهية قائماً ، مادامت الأضداد تحكم حياتنا منذ الأزل وقد ازداد صراع الأضداد الآن بسبب تعقد الحياة وضياع الاستقرار النفسي والوجداني والروحي ، ومن هنا فإن قيم الحب والكراهية اختلفت باختلاف الفلسفة الإنسانية والضغط الكبير على ذاتية الإنسان التي تحاول أن توجد لها أرضاً خصبة للحب والوئام ولكن هيهات أن تفلت من بوتقة الصراع اليومي المتأثر بطبيعة الحال بالصراعات الكبيرة ، التي تخص وطنه ومستقبله الذي بات مجهولاً، وعموما فإن الحب في تاريخه الإنساني مهما أثار جدلاً فلسفياً حول ماهيته يبقى الحب بكل أنواعه هو الدافع الأساسي للإنسان في التواصل والبقاء ، ويبقى الحب هو البحث الأبدي الذي لن يتوانى الإنسان عنه لأنه كما قلنا هو سبب وجوده .
لذلك فلا غرابة أن نجد الكثير من الفقهاء بكل مذاهبهم أن يكتبوا عن الحب ، في كتب جليلة يقدسون من خلالها الحب وأهميته في إظهار عواطف الإنسان الرائعة ، وقد أوردوا في كتبهم وجهات نظرهم حول الحب وتطوره إلى أشكاله الأخرى من خلال القصص والأخبار والنوادر والأقوال وما قيل من شعر حوله ، قد كون تراثاً للأجيال بجلال الحب وسمو النفس الإنسانية فيه والموت حباً وفاء للأحباب عكست الشخصية الثقافية التي امتلكت من القدرة الفائقة في تصوير الحب وماهيته وأشكاله وقيمه ومبادئه السامية التي تؤدي في الحفاظ عليه من خلال ما عكسته هذه الكتب من قيم إنسانية جليلة بأساليب رفيعة ومؤثرة توظف الصور الجمالية الراقية ، وعبرت بأدبية خالصة عن المشاعر وألوان من السلوك ،بين المحبين بسردية تنوعت فيها تقنيات الإثارة والتفاعل الحي فيها ، وتولد ثقافة نادرة للأجيال التي هي بحد ذاتها ستكون بأحوج ما يمكن لهذه الثقافة وبقدرة هذه المؤلفات في تجسيد الحب في كل الأزمان، وبإمكان القارئ أن يجد ملاذا رائعاً في كيفية صناعة الحب والابتعاد عن صناعة الكراهية التي باتت الشغل الشاغل الذي يعمل الآخرون والمؤسسات الثقافية المعادية على نشرها في حياتنا الحالية ، غايتها من ذلك هي إبقاء البشر في تناحر وصراعات وكراهية مقيتة، مما أوجدت أجيالاً ضائعة حائرة متألمة فقدت إحساسها بالحياة وثقتها بالمستقبل .
على أن هذا التراث المتسع المتنوع من كتب الحب والعشق يوفر المعرفة لكل من يسعى إلى تحصيلها يستطيع أن يلهم الأجيال بأهمية الحب في حياتهم ومستقبلهم
ومهما يكن فإن فلسفة الحب والكراهية تكمن في أن الحب عاطفة قد تتغير إلى تضادها وهو الكراهية ، فمتى ما حافظ الحب على إنسانيته استمر وبقي حياً وخالداً ، على الرغم من أن للحب حدوده في تعلق القلب والنفس بالمحبوب ، أو هو في بعض أنواعه قد يكون بحب الخالق الذي هو خالق الجمال في الحياة ، فمحبة الخالق هي أسمى محبة وهي الحب الحقيقي الذي يحاول المرء أن يدركه ويفنى في محبة الله ورضاه .
ومن أقدم الكتب التي ألفت في الحب أولها كتاب( الزهرة )الذي ألفه محمد بن داود الفقيه الظاهري(توفى 296هـ) ، وكتاب( روضة العشاق)للشيزري ، ثم تلاها الكتب التالية:
1- الأبشيهي : المستطرف من كل فن مستظرف.
2- الإنطاكي : تزيين الأسواق فى أخبار العشاق.
3- ابن الجوزي : ذم الهوى.
4- ابن أبى حجلة : ديوان الصبابة .
5- ابن حزم : طوق الحمامة فى الألفة والآلاف.
6- ابن الخطب : روضة التعريف بالحب الشريف.
7- ابن داود : النصف الأول من كتاب الزهرة .
8- ابن الدباغ : مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب .
9- الديلمى : عطف الألف المألوف على اللام المعطوف.
10- السراج القارئ : مصارع العشاق.
11- السيوطى : نزهة الجلساء فى أشعار النساء.
12- الغزولى: مطالع البدور في منازل السرور .
13- ابن قيم الجوزية: روضة المحبين ونزهة المشتاقين .
14- المرزبانى : أشعار النساء.
15- الوشاء : الموشى أو الظرف والظرفاء. (15)

وقد عرف ابن حزم الحب بقوله : (( الحب أولهُ هزل وآخره جد ، دَقَّتْ معانيه لجلالتها عن أن توصف ، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة ، ولا محظور في الشريعة ، إذ القلوب بيد الله عزَّ وجل . )) (16)
والحب يتطور من حالة إلى حالة وفي لسان العرب اصطلاحات للحب نلخصها بالآتي :
الحب نقيض الكراهية والبغضاء والصبابة والهوى.
العشق فرط الحب + علاقة في تلازم للقلب الذبول
الجوى شدة الوجد من عشق وألم وحزن.
الشعف شدة الحب وارتفاعه إلى أعلى موضع في القلب.
الشغف تمكن الحب إلى شغاف القلب(غلافه) أو حبة القلب وسويداؤه.
التيم العشق وذهاب العقل من الهوى ، وتام تخلى عن الناس.
التبل السقم بسبب غلبة الحب عليه وهيمه .
الدله ذهاب الفؤاد من هم وغيره .
الهيام الجنون (وهو يشبه التيم والتبل والدله).
ومن هذه المصطلحات نجد أن للحب درجات ومعانٍ تختلف بحسب طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة ، أو الإنسان والأشياء تفاوتت هذه المصطلحات في معنى الحب وقيمه بسبب طبيعة الآثار الناجمة من الحب ووقعها على النفس الإنسانية ومعاناتها من حزن وبؤس وألم ومرض متأزم قد يفقد الإنسا في بعضها لتوازنه العقلي والجسمي .
فلسفة الحب هي : الحب العذري العفيف

الحب الحسي
ونرى أن الحب في حقيقته الجوهرية هو نوعان لا ثالثة لهما: الحب العذري العفيف وهـو الحب الذي ينطوي على الإخلاص والمودة الصادقة دون أدنى وتسميته معروفة بقبيلة عُذرى التي شاع فيها الحب والتفاني فيه بعيداً عن الأهواء الجنسية،فالعفة هو أن تباشر الأمـــور وتأخذها على وفق الشرع والمروءة ، مما يجعل نفس المحب العفيف مهذبة بعيدة عن اجتناب الرذائل فتصبح صافية جميلة وكل ما تبادر إليه جميل ورائع وإن تعثر بالألم والمعاناة وقلـة الحيل في كل الأمور ولا نعني مسألة الحب بين المرأة والرجل ، لأن الحب العفيف للأشيـاء والناس هو الذي يبعد الكراهية بينهم وينمي الحب ليكون سامياً لا تشوبه المصالح ، فالعذري هنا هو كل ما هو على حقيقته دون أي خدش أو تمويه لفائدة ، أو لذة فانية ، أما الحب الحسي وهو الذي لا يعنيه سوى المحسوسات من جسد ولذة وفائدة مرجوة لا تنتهي ، وبمجرد انتفاء الفائدة ينتهي ويزول .
ومن هنا فإننا جميعاً بحاجة إلى الحب العذري الذي بات غريباً على مجتمعاتنا التي تحكمها الفائدة واللذة مما غيب الوعي بصدق الأحاسيس وقوتها في نفوسنا لأننا فقدنا العذرة والعفاف ، وأصبحنا لا نتطلع إلا للمحسوسات البالية ، وبذلك تغير الحب إلى كره يتزايد يوماً بعد يوم ، وهنا زادت كفة الكراهية وأخذت مقومات بقائها واستمرارها .

ثالثا:طوق الحمامة في الألفة والآلاف لأبن حزم الأندلسي

أولاً: ابن حزم الأندلسي384 - 456 هـ / 994 - 1064 م
هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ، نسبة إلى مولده ومذهبه ، ولقب كذلك بالقرطبي ، الأندلسي ،وقد ((نشأ في بيت عز ومال وجاه عريض فلم يكن طلبه للعلم بحثاً عن المجد أو سعياً وراء الشهرة ، وإنما كان وليد رغبة نزيهة في المعرفة ، وإيمان عميق بقيمة العلم ، ولا ريب أن الاهتمام المبكر بالعلم قد كان ثمرة للتربية التي تلقاها ابن حزم منذ نعومة إظفاره في كنف مجتمعه الذي عاش فيه قد عمل على توجيه اهتمامه)) (17)
وان أباه كان وزيراً للحاجب المنصور ابن عامر، ثم لابنه المظفر من بعده، في أواخر القرن الرابع الهجري ، وفي مطلع القرن الخامس هاجم البربر قرطبة ، وتوفي أحمد بن حزم حوالي سنة 402 هـ وكان ابنه عليّ في ذلك الوقت قد بلغ الثامنة عشر من عمره .
فلما مات أبوه أخذ ابن حزم على عاتقه الدفاع عن الأسرة الأموية ضد البربر ، فرحل عن قرطبة إلى مريّة حيث راح يعمل على توحيد الصفوف من أجل استعادة العرش الأموي المفقود ، وتنبه له حاكم المريّة وسجنه ثم نفاه ، ولم يلبث ابن حزم أن وجد نفسه مضطراً إلى التوجه نحو مدينة بلنسية ، وهناك التقى بالمرتضى الأموي وحارب في جيشه بغرناطة ، ثم وقع بأيدي أعدائه سنة 403 هـ .(18)
ولم يتمكن ابن حزم من العودة إلى قرطبة إلا سنة (409هـ )حتى إذا ولى صديقه عبد الرحمن المستظهر الخلافة في رمضان سنة 414هـ استوزره ، ولكنه لم يبق في هذا المنصب أكثر من شهر ونصف ، فقد قتل المستظهر وسجن ابن حزم ، ثم عفا عنه ، وعاد إلى الوزارة مرة أخرى أيام هشام المعتمد ، فيما بين سنتي (418 ـ 422 ) ، ولكنه لم يلبث أن طلّق المناصب الوزارية واعتزل السياسة إلى غير رجعة .(19)
عالم الأندلس في عصره، وأحد أئمة الإسلام، كان في الأندلس خلق كثير ينتسبون إلى مذهبه، يقال لهم (الحزمية).(20)فزهد بها وانصرف إلى العلم والتأليف، فكان من صدور الباحثين فقيهاً حافظاً يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، بعيداً عن المصانعة. وانتقد كثيراً من العلماء والفقهاء، فمتلؤا على بغضه، وأجمعوا على تضليله وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو منه، فأقصته الملوك وطاردته، فرحل إلى بادية ليلة (من بلاد الأندلس) فتوفي فيها، رووا عن ابنه الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تأليفه نحو 400 مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة، وكان يقال: لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان.
يعد ابن حزم الأندلسي ((من أنشط مفكري الإسلام عموماً ، والأندلس خصوصاً حتى لقد كتب في كل فرع من فروع الثقافة ، وترك لنا الكثير من المصنفات في كل باب من أبواب المعرفة . وقد أجمع المؤرخون على أنه كان أكثر علماء الأندلس تأليفاً وتصنيفاً .)) (21)
وتشير المصادر الأندلسية إلى ثقافته الواسعة وقدرته الفائقة، ففي كتاب نفح الطيب للمقري يخبرنا عنه بقوله : (( أخبرني ابنه المكنى أبا رافع : اجتمع عندي بخط أبي من تواليفه في الفقه والحديث والأصول والنحل والملل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المعارضين ، نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة .
وهذا شيء ما علمناه من أحد ممن كان في دولة الإسلام قبله ، إلا لأبي جعفر بن جرير الطبري .)) (22)
وقد تميزت كتاباته العلمية والأدبية (( بطابع الدقة والتنظيم ومراعاة مقتضى الحال .)) (23)
ومن مؤلفاته : (الفصل في الملل والأهواء والنحل) (المحلى) في أحد عشر جزءاً فقه و(جمهرة الأنساب )، و(الناسخ والمنسوخ)، و(الإحكام لأصول الأحكام) ثماني مجلدات، و(إبطال القياس والرأي)، و(المفاضلة بين الصحابة ) رسالة مما أشتمل عليها كتاب (ابن حزم الأندلس ) لسعيد الأفغاني، و(مداواة النفوس ) رسالة في الأخلاق، و(طوق الحمامة) أدب، و(ديوان شعر) وغير ذلك. (24)




ثانياً: كتاب طوق الحمامة
لم يكن طوق الحمامة الكتاب الوحيد الذي أُلف في الحب ، فقد زخر التراث العربي بالعديد من كتب الحب ، ومن الملفت للنظر أن أغلب كتابها هم من الفلاسفة العرب ،ربما كان ثمة أسباب التي دعتهم في الكتابة بهذا الموضوع وهو تحدي البعض لما قالوا عن عدم قدرتهم في الخوض بمضمار هذا الموضوع ، أو لحاجة نفسية صميمية لديهم دعتهم للكتابة في مسألة الحب كتجربة عاشها ، أو كتعبير عن تجارب أقرانه وأصدقائه ، والسبب الآخر هو تمتع بعضهم بثقافة موسوعية مكنتهم في الكتابة بهذا الموضوع ، كما أن صدور مثل هذه الكتابات من علماء وفلاسفة كرسائل تهدى للخلفاء والأمراء وللأصدقاء إنما لغاية تثقيفية تبعث على النظر في مسألة الحب ، وتضفي المتعة والرومانسية في نفوس قارئيها.
ومن أقدم الكتب التي ألفت في الحب أولها كتاب( الزهرة ) الذي ألفه محمد بن داود .
وكتاب ( طوق الحمامة في الألفة والآلاف ) ، هو عبارة عن رسالة كتبها لأحد أصحابه الذي طالبه بكتابتها ، وهي الرسالة الثانية وقد سبقها رسالة في الأخلاق .
يقول في مقدمة الرسالة معللاً سبب تأليفه لها: (( ولعهدي بصديق لي داره بالمرية حوائج إلى شاطبة ، فقصدها وكان نازلاً بها في منزلي مدة إقامته بها وكان له بالمرية من هي أكبر همه ، وأدهى غمة ، وكان يؤمل بها فراغ أسبابه .)) (25)
إن ابن حزم كتب في العلوم والكثير من مناحي الثقافة ، وهو الشاعر وقد أثر عنه ديوان شعر ، قد كتب هذه الرسالة ، وله في غرض الغزل أشعار جميلة ضمها ديوانه الشعري .
ويمضي يذكر أسباب تأليف هذه الرسالة بعد أن وصلته رسالة من صديق له في مدينة مرية (( وكلفتني ـ أعزك الله ـ أن أصنف لك رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأغراضه ، وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة , لا متزيدا ولا مفتناً ، ولكن مورداً لما يحضرني على وجهه ، وبحسب وقوعه ، حيث انتهى حفظي وسعة باعي فيما أذكره فبدرت إلى مرغوب )) (26)
وغاية ابن حزم في هذه الرسالة هي غاية تعليمية ، وإن منهجه فيها هو ما ذكره في هذه الرسالة ، يقول : (( والذي كلفتني لابد فيه من ذكر ما شاهدته حضرني ، وأدركته عنايتي ، وحدثني به الثقات من أهل زماني ، فأغتفر لي الكناية عن الأسماء ، فهي إما عورة لا نستجيز كشفها , وإما نحافظ في ذلك صديقاً ودوداً ورجلاً جليلاً .
وبحسبي أن أسميّ من لا ضرر في تسميته ، ولا يلحقنا والمسمّى عيب في ذكره ،إما لاشتهار لا يغني عنه الطي وترك التبيين ؛ وإمّا لرضا المخبر عنه بظهور خبره ًًًًًً، وقلة إنكار منه لنقله .وسأورد في رسالتي هذه أشعاراً قلتها فيما شاهدته ، فلا تنكرها أنت.
ومن رآها عليّ أني سالك فيها مسلك حاكي الحديث عن نفسه ، فهذا مذهب المتحلّين بقول الشعر ، وأكثر من ذلك ؛ فإن إخواني يجشمونني القول فيما يعرض لهم على طرائقهم ومذاهبهم , وكفاني أني ذاكر ما عرض لي ما نحوت نحوه وناسبه إلي . )) (27)حين نستقرئ الكتاب سنجد أغلب الشعر الوارد فيه هو من شعره .
ثم يواصل كلامه عن الرسالة وطريقته ومنهجه في تناول الحب في هذه الرسالة يقول : ((والتزمت في كتابي هذا الوقوف عند حدك ، والاقتصار على ما رأيت أو صح عندي بنقل الثقات ، ودعني من أخبار الأعراب والمتقدمين ، فسبيلهم غير سبيلنا ، وقد كثرت الأخبار عنهم ، وما مذهبي أن أنضى مطية سواي ، ولا أتحلى بحلي مستعار ، والله المستغفر والمستعان ، لارب غيره ، وقسمت رسالتي هذه على ثلاثين باباً . ))(28)ومما لاشك فيه (( أنه كتبها في آخر الشباب , وابتداء الكهولة ، فهي تدل في ثناياها على أن الكاتب مملوء حيوية وقوة ، ولكنها حيوية ناضجة ، وقوة تجاوزت ميعة الشباب وغرارته .
ثم إنه قد كتب هذه الرسالة وقد صارت له شهرة علمية ومقام في الفقه والحديث والدليل على ذلك أمران :
أولهما : أنه يقول في صدر الكتاب إن قوماً من مخالفي آرائه ومنهجه ، أساءوا له القول ومع ذلك وفي لهم ؛ فيقول :( وبالوفاء افتخر في قصيدة لي طويلة أوردتها . . . وكان سبب قولي لها أن قوماً من مخالفي شرقوا بي فأساءوا العبث في وجهي ، وقذفوني بأني أعضد الباطل بحجتي ، عجزاً منهم عن مقاومة ما أوردته من نصر الحق وأهله وحسداً لي . ) .
وثانيهما : أنه أعتذر لصاحبه الذي كتب إليه عن قوله في الحب والمحبين بأنه نوع من الترفيه على النفس . )) (29)يؤكد ابن حزم لصاحبه بأنه كتب هذه الرسالة محبة ورغبة من صاحبه، ولولا ذلك ما كتبها لأنها تأخذ من وقته المفروض به أن يصرفه بما يرجوه في رضا الله وحسن المآب ، يقول : (( بدرت إلى مرغوبك ، ولولا الإيجاب لما تكلفته ، فهذا من الفقر، والأولى بنا مع قصر أعمارنا ألا نصرفها إلا فيما نرجو به رحب المنقلب ، وحسن المآب غداً. )) (30)





أقسام الرسالة :
قسم ابن حزم رسالته على ثلاثين باباً ، جعل عشرة أبواب منها في أصول الحب ، وجعل اثني عشر باباً في أغراض الحب وصفاته المحمودة والمذمومة ، وستة أبواب في الآفات الداخلة على الحب ، وجعل بابين ، فمن باب العاذل وضده باب الصديق المساعد، ومن باب الهجر وضده باب الوصل .(31)الرسالة تقسم إلى ثلاثة أقسام موضوعية وهي :
القسم الأول : في طرق الحب (باب في ماهية الحب،و باب في علامات الحب،و باب في ذكر من أحب في النوم، و باب في ذكر من أحب بالوصف ، و باب في ذكر من أحب من نظرة واحدة، و باب في ذكر من لا تصح محبته إلا بالمطاولة، و باب التعريض بالقول، و باب الإشارة بالعين ، و باب المراسلة، و باب السفير.)
والقسم الثاني : في أعراض الحب وصفاته المحمودة والمذمومة وهي :( باب الصديق المساعد ، وباب الوصل ، وباب طي السر ،وباب الكشف والإذاعة ،وباب الطاعة ،وباب المخالفة ،وباب من أحب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها ،وباب القنوع ،وباب الوفاء ،وباب الغدر ،وباب الضنى ،وباب الموت .)
والقسم الثالث : في الآفات التي تذهب الحب بين المحبين وهي :( باب العاذل ،وباب الرقيب ،وباب الواشي ،وباب الهجر ،وباب البين ،باب السلو .)
والقسم الرابع : في باب ضد الآفات ومقاومتها .(32)













المبحث الأول
الحب والكراهية ، قراءة ضدية

يرى ابن حزم أن الحب والكراهية عاطفة واحدة متغيرة إلى بعضها البعض وهذا التغير يجعلهما من الأضداد ويعزو ذلك إلى (( سر التمازج والتباين في المخلوقات ، أنَّما هو الاتصال والانفصال والشكل دأباً يستدعي شكله ، والمِثْل إلى مِثْله ساكن ، وللمجانسة عمل محسوس وتأثير مشاهد ، والتنافر في الأضداد والموافقة بالأنداد ، والنزاع فيما تشابه موجود فيما بيننا .)) (33) ومن هنا يؤسس إبن حزم لرؤية جديدة في فلسفة الحب والكراهية ،
فالتصور قائم على الضدية وهي من أحوال تصرف الإنسان الذي خلقه الله وخلق الكون على التضاد لكي يضمن للكون والحياة توازنهما ، ويفسر الضدية بين الحب والكراهية ويعللها بأسباب كثيرة تتمركز في محورين على أساس رؤية الإنسان للمرأة وغيرها من الناس والأشياء وهما :
الحب العلة حسن الصورة الجسدية.
الحب العلة الأنقص من حسن الصورة.
ويعلل هذه الضدية في الحب بقوله : (( ونحن نجد كثيراً ممن يؤثر الأدنى ويعلم فضل غيره ، ولا يجد محيداً لقلبه عنه ، ولو كان للموافقة في الأخلاق لَمَا أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه ، فعلمنا أنه شيء في ذات النفس ، وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب ))(34)
و هذا التصور قد بناه بسبب دوافع وعوامل متنوعة، ومؤثرة تحكم طبيعة الحب أو الكراهية ،وهي : العامل الديني ، والعامل الأخلاقي ، والعامل النفسي ، والعامل الفلسفي، والعامل الجنسي) كلها أدت إلى تنوع مفاهيم الحب والكراهية، وبذلك صنف الحب إلى ضروب:( 1ـ فأفضلها محبة المتحابين في الله عز وجل ، أو لاجتهاد في العمل ، وإمَّا لاتفاق في أصل النِّحلة والمذهب ، وإمَّا لفضل عِلم يمنحه الإنسان،و2ـ محبة القرابة ،و3ـ محبة الألفة والاشتراك في المطالب ،و4ـ ومحبة التصاحب والمعرفة،و5ـ ومحبة البر يضعه المرء عند أخيه ،و6ـ ومحبة في جاه المحبوب ،و7ـ ومحبة لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره ،و 8 ـ ومحبة بلوغ اللَّذة وقضاء الوطر،و 9ـ ومحبة العشق التي لا علة لها إلا من اتصال النفوس.)وكل هذه الأجناس منقضية مع انقضاء عللها ، زائدة بزيادتها ، وناقصة بنقصانها ، متأكدة بدنوها ،ه فاترة ببعدها ، حاشى محبة العشق الصحيح المُمكن من النفس فهي التي لا فناء لها إلا الموت . (35)
وقد يأتي التضاد في الحب والكراهية من خلال ما سماه ابن حزم الزيادة والنقصان ، فتولد علامات متضادة ، وهي على قدر الدواعي والعوارض الباعثة ، والأسباب المحركة ، والخواطر المهيِّجة ، والأضداد أنداد ، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادِّها ، ووقفت في انتهاء حدود اختلافها ، تشابهت وهذا يدل على غنى الفكر العربي، وعلى إيمانه بحرية السلوك الإنساني، ونسبية المكونات للماهية، فالفكر العربي لم يفرض قالبا واحدا جامدا للسوية أو للمثالية أو للشذوذ والانحراف.. وأقدم على هذا براهين من مؤلفات هي موضوع تقدير واحترام في كل العصور، وقد يكفى في هذا السياق.
ومن آرائه في الحب التي تعكس القراءة الضدية له ما يأتي :
1ـ الحب أوله هزل وآخره جد .كقوله:دموع الصب تنسفك وستر الصب يهنتك(36)
2ـ لا يدرك الحب إلا بالمعاناة ،كقوله:
وهذا الليل فيك غدا رفيقي بذلك أم على سهري معيني(37)
وقوله وهو يكشف عن معاناته في الحب :
دليل الأسى نار على القلب تلفـح ودمـع على الخـدين يحمي ويسفح
إذا كتم المشغوف سر ضلوعـه فإن دمـوع العيــن تبدي وتفضح (38)
3ـ وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة ، إذ القلوب بيد الله عز وجل .
4ـ الحب اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع .
5ـ لا يعتمد في وجود الحب على عنصر حسن الصورة الجسدية .
6ـ إن المحبة لدى ابن حزم ضروب : فأفضلها محبة المتحابين في الله عز وجل .
ومحبة القرابة ، ومحبة الألفة والاشتراك في المطالب ، ومحبة التصاحب ، ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره ، ومحبة بلوغ اللّذة وقضاء الوطر ، ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس .
7ـ وكل هذه الأجناس منقضية مع انقضاء عللها ، أي أسباب وجودها ، زائدة بزيادتها ، وناقصة بنقصانها ، متأكدة بدنوها ، فاترة ببعدها ، حاشا محبة العشق الصحيح الممكن من النفس فهي التي لا فناء لها إلا الموت .
8ـ وان الإنسان مهما كبر ؛ فإنه يتذكر الحب .
9ـ الحب استحسان روحاني وامتزاج نفساني .
10ـ لا تجد اثنين يتحابان إلا بينهما مشاكلة واتفاق الصفات الطبيعية .(39)
11ـ فصل ابن حزم في علامات الحب منها : إدمان النظر ، واضطراب من يحب عند رؤية من يحب فجأة ، وكذلك الإسراع بالمكان الذي يكون في الحبيب ، ومن علامات الحب أيضاً أن يجود المرء كل ما كان يقدر عليه مما كان ممتنعاً به من قبل ذلك .(40)
12ـ وهذه العلامات تكون قبل استعار نار الحب وتأجج حريقه وتوقد شعله ، واستطارة لهبه.(41)كقول ابن حزم :
مشوق معنى ما ينــــام مشهدٌ بخمر التجني ما يزال يعربد
ففي ساعة يبــدي إليك عجائبـاً يمـر ويستحلي ويدني ويبعد (42)
13ـ ومن علامات الحب الانبساط الكثير الزائد ، والتضايق في المكان الواسع والمجاذبة على الشيء يأخذ أحدهما ، وكثرة الغمز الخفي ، والميل بالاتكاء ، والتعمد لمس اليد ولمس ما أمكن من الأعضاء الظاهرة.
14 ـ قد يحدث خلافات بين المحبين والشحناء التي تؤدي إلى الهجر .
15ـ ومن علامات الحب الوحدة والأنس بالإنفراد ونحول الجسم دون حد يكون فيه ولا وجع مانع من التقلب والحركة والمشي .
أتى طيف نعم مضجعي بعد هدأة ولليل سلطان وظلٌ ممدد(43)
16ـ والسهر من أعراض المحبين .
17ـ ويصيب المحبين القلق عند أحد الأمرين : أحدهما عند رجائه لقاء من يحب فيعرض عند ذلك مانع ، والثاني عند حادث يحدث بينهما من عتاب لا تدري حقيقته إلا بالوصف .
وإني وإن تعتب لأهون هالكٍ كذائب نقرٍ زل من يد جهبذ(44)
18ـ ومن أعراضه الجزع الشديد والحمرة المقطّعة .
عيني جنت في فؤادي لوعة الفكر فأرسل الدمع مقتصاً من البصر(45)
19ـ البكاء من علامات الحب .
20ـ ويعرض بالحب سوء الظن ، واتهام كل كلمة من أحدهما، وتوجيهها غير وجهتها .
21ـ ومن آياته مراعاة المحب لمحبوبه ، وحفظه لكل ما يقع منه ، وبحثه عن أخباره ،هذه آراء ابن حزم في الحب، والتي ظهرت بوضوح في بشعر الغزل وقد ذكر لها أمثلة وشواهد من شعر الغزل . وهو بذلك يجعل للحب علامات متضادة تؤدي بعاطفة الحب إلى ضدّها الكراهية ، يقول : ومنها علامات متضادة وهي على قدر الدواعي والعوارض الباعثة والأسباب المحركة ، والخواطر المهيجة ، والأضداد أنداد ، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادها. (46)
المبحث الثاني
الحب والكراهية ، قراءة توافقية

وإن كان أبن حزم قد حـدد الأسباب التـي تؤدي بضدية الحب والكراهية لم ينسَ أن يلفت انتباهنا إلى َمجموعة من العوامل التي تساعـد على إنتاج التوافق وإنهاء الصراع بين هذين المتضادين ( الحب والكراهية ) ، والتوافق الذي يرمي إليه ابن حزم هو مجموعة من السلوك المرن الذي يضفي على حياة الإنسان والبشر توازناً واستقراراً يولد توافقاً سلوكياً ، أو جسمياً ، أو نفسياً ، أو اجتماعياً ، مما يضمن ممارسة الإنسان والبشر الحياة بدون كراهية مقيتــة تؤدي إلى الضدية والصراع الذي يؤدي إلى الدمار والموت.
والتوافق كمصطلح نفسي واجتماعي له بعدان وهما البعد النفسي والبعد الاجتماعي، وهما الأساسيان والمؤثران في الإنسان وحرصه على إيجاد التوافق النفسي والاجتماعي ، وبالتالي تكوين شخصية إنسانية متكاملة قادرة على التوازن بين الحاجات والتفاعل مع الآخرين ومع البيئة ، مبتعداً عن التناقض والضدية بسبب الصراعات المختلفة التي تحكم حياته .
ويركز ابن حزم في التوافق بين الحب والكراهية من خلال كشفه لصور سلوكية أو أشكال مختلفة من العلاقات والممارسات الإنسانية بين الناس ومنها:
أولاً: الوصل: ويسميه اليوم أصحاب النقد بالتواصل ، فيرى ابن حزم :إنّ دوام الحب بدوام الوصل وكلما زاد وصلاً زاد اتصالاً، (( وربما استُحْلى الوصال ، واتفقت القلوب ، حتى يقع التخلّج في الوصال ،فلا يُلتف إلى لائم ، ولا يُستتر من حافظ ، ولا يبالي بناقل ، بل العذل حينئذ يُغرى .))(47)وهذا الوصل والاتصال يمنح المحبين التوفيق والتقريب بين وجهات النظر بين المحبين أو المتكارهين ، وبذلك تحصل الجماعات المتصارعة في الحب وغيره على بعض أهدافها المتنازع عليها .
ثانياً:الوفاء: وهي عند ابن حزم (( من حميد الغرائز، وكريم الشيم ، وفاضل الأخلاق في الحب وغيره الوفاء ، وإنَّه لمن أقوى الدلائل على طيب الأصل ، وشرف العنصر ، وهو يتفاضل بالتفاضل اللازم للمخلوقات . . وغاية الوفاء ترك مكافأة الأذى بمثله ، والكف عن سيئ المعارضة بالفعل والقول ، والتأني في جر حَبل الصحبة ما أمكن ، ورُجيت الألفة ، وطُمع في الرجعة ، ولاحت للعودة أدنى مخيلة ، وشيمت منها أقل بارقة ، أو توجس منها أيسر علامة . فإذا وقع اليأس واستحكم الغيظ حينئذ ، والسلامة من غُرِّك ، والأمن من ضرَّرك ، والنجاة من أذاك ، وأن يكون ذكر ما سلف مانعاً من شفاء الغيظ فيما وقع ، فَرعْىُ الأذمَة حق وكيد ، على أهل العقول ، والحنين إلى ما مضى ، وألا ينسى ما قد فرغ منه ، وفنيت مدته ، أثبت الدلائل على صحة الوفاء ، وهذه الصفة حسنة جداً وواجب استعمالها في كل وجه من وجوه معاملات الناس فيما بينهم ، على أي حال كانت .))(48)
الوفاء الذي يحقق التوافق بين الناس له شروط لازمة على المحبين في رأي ابن حزم وهي:
(( فأولها أن يحفظ عهدَ محبوبه ، ويرعى غيبته ، وتستوي علانيته وسريرته ، ويطوي شره ، ولا ينشر خبره ، ويغطي على عيوبه ، ويحسّن أفعاله ، ويتغافل عما يقع منه على سبيل الهفوة ، ويرضى بما حمله ولا يكثر عليه بما ينفرد منه ، وألا يكون طُلعَة ثؤوباً ، ولا ملة طَروقاً.)) (49)بهذه الشروط يضع ابن حزم وثيقة عهد للحب والصداقة ، ومن دونها تتولد الكراهية وعدم التوافق والتوازن في العلاقات بين الناس .
ثالثاً:عدم الغدر: إن الغدر عند ابن حزم من الآفات التي تقضي على الحب وتنتج الكراهية .


ومَن يَرى في قضاءِ اللهِ خَيرَاً - يَجِـد خَيـرَاً يُألِّفـهُ القَضـاءُ = ومَن يَرجو لِقـاءَ اللهِ يَرضـى - غَداةَ الحَشـرِ يُسعِـدَهُ الِّلقـاءُ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابوانس
عضو مجتهد
عضو مجتهد


الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 435


المشاركة رقم 2 موضوع: رد: فلسفة الأضداد( الحب والكراهية )عند ابن حزم الأندلس الأربعاء 21 نوفمبر 2012, 8:18 am

ثالثاً:عدم الغدر: إن الغدر عند ابن حزم من الآفات التي تقضي على الحب وتنتج الكراهية .
رابعاً: القنوع: يعني الرضا بما يراه من الآخرين والقنوع دون الخضوع وذلك ما لا يرضاه ابن حزم ويمنعه على نفسه وعلى الآخرين لأنه يعده من الخسة ، ومن الضعف ، كما في قوله : (( ولابد للمحب ، إذا حُرم الوصل ، من القنوع بما يجد ! وإنَّ في ذلك لمتعللا للنفس ، وشغلاً للرجا ، وتجديداً للمنى ، وبعض الراحة ، وهو مراتب على قدر الإصابة والتمكن : فأولها الزيارة ، وإنَّها لأملِ الآمال . . . والوجه الثاني : أن يزور المحبوب مُحبّه ، ولكن لا سبيل إلى غير النظر ، والحديث الظاهر وفي ذلك أقول :
فإنْ تنأَ عنّي بالوصال ، فإنني سأرضى بلحظ العين إنْ لم يكنْ وصلُ)) (50)
خامساً : المودة: والمودة لازمة بين الناس لأنها هي الأقدر على تآلف الناس وتوازن العلاقات فيما بينها ، وبدونها يؤول أمرهم إلى السقام والضنى والنحول ، وهذا الأمر أي الضنى في العلاقات بين الناس كثير جداً ، وموجود أبداً. (51)والتوافق الذي يحاول ابن حزم بثه فينا ، هو أساسي وضروري في علاقاتنا التي لابد أن تتبع الممارسات السلوكية الواردة الذكر والأخرى التي لم يتسع المجال لذكرها ، يستنبطها ابن حزم من خبرته في الحياة ومن معاشرته للناس نستدل عليها من الحكايات والإخبار التي يوردا في رسالته هذه مدعمة بالحجج العقلية والنفسية والاجتماعية والسياسية ، وهي جميعها من شأنها أن تقلل من حدة الكراهية وإبطالها ، وعقد هدنه توافقية بين الحب والكراهية وإنهاء الصراع النفسي والاجتماعي اللذان باتا يهددان توازن الإنسان واستقراره وأمنه .


الخاتمة :
يكشف البحث عن جملة آراء لأبن حزم الفقيه الفيلسوف الأندلسي في تناوله الأضداد ( الحب والكراهية ) وهي آراء بناها من ثقافته ومن تجاربه ومجاراة الناس ومن هذه الآراء الآتي:
1. إن الحب غريزة إنسانية خلقها الله فينا ، ولم يمنعها الشرع والدين ، على أن لا تتجاوز القيم الدينية والأخلاقية .
2. ويرى أن للحب علامات تميز المحبين عن غيرهم .
3. وهو في حديثه عن تلك العلامات يورد الحكايات والأخبار المشوقة التي يبغي منها غايتين ، الأولى الإقناع ، والثانية التشويق ، وهو لا يتوانى عن ايراد أشعاره التي تتضمن واقعة معينة خاصة به ، مما يدل على صدقة في كل ما قال .
4. الحب والكراهية ندان ، وأضداد ويرى أن وجودهما مسألة طبيعية ككل الأضداد التي تشكل الكون .
5. وهو يؤكد على أن الحب والكراهية عاطفة واحدة ، لا كما يتصورها الكثيرون بأنهما عاطفتين ، بل أن عاطفة الحب قد تتغير بسبب دواعي إلى عاطفة الكراهية ، والعكس صحيح بدليل المثل المشهور: بعد العداوة صداقة .
6. كما أن من الممكن إيجاد توافق بين الضدان ( الحب والكراهية) من خلال مجموعة من العوامل وهي كثيرة ، وأبرزها : الوصال ، والوفاء ، والمودة ، والإقناع وغير ذلك .
7. يتشابه طرح ابن حزم للحب وطريقة تناوله له بالكتب التي سبقته ، مع اختلاف واضح يتجسد في فلسفة خالصة له .









هوامش البحث

1ـ لسان العرب ،لإبن منظور ،3/263 .
2ـ الأضداد ، ابن الأنباري ، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم ، الكويت ، 1960 ، ص4 .
3ـ الأضداد في كلام العرب ، أبو الطيب اللغوي ، تحقيق : عزة حسن ، دمشق ، 1967 ،ص12 .
4ـ مصدر سابق ، الأضداد ، ابن الأنباري، 20 .
5ـ إفساد الأضداد ،أبو إسحاق الزجاج ،تحقيق عبد العزيز مطر ، الكويت 1970 ، 310 .
6ـ تاج العروس من جواهر القاموس ، محمد مرتضى الحسيني الزبيدي ، تحقيق عبد العزيز مطر ، الكويت 1970 ،8/ 311 .
7ـ الأضداد في اللغة ، ابن الأنباري ، ص11 .
8ـ م.ن ، 350 .
9ـ أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد ، سعيد الخوري الشرتوني ، مطبعة مرسلي اليسوعية ، بيروت ، 1889 ، ص 679 .
10ـ المصباح المنير ، أحمد محمد بن علي الفيومي المقري ، المكتبة العصرية ، صيدا ،ط2 ، 1997 ، ص 186 .
10ـ الفن الحب ، اريك فروم ، دار العودة ، بيروت ، 1972 ، ص28 .
11ـ الحب فلسفة وحياة ، هارون نوفل ، مطبعة الشرق عمان ، ط1 ، 1984 ، ص 9 .
12ـ الحب والكراهية ، يوسف ميخائيل أسعد ، مكتبة غريب ، مصر ، (د.ت) ، ص 57
13ـ الحب والكراهية ، يوسف ميخائيل أسعد ، مكتبة غريب ، مصر ، (د.ت) ، ص 75
14 ـ الحب والكراهية ، يوسف ميخائيل أسعد ، مكتبة غريب ، مصر ، (د.ت) ، ص 89
15ـ طوق الحمامة في الألفة والآلاف ،تحقيق د. الطاهر أحمد مكي ، دار المعارف ، مصر ،1976 ،8 .
16ـ عجم الأدباء، ياقوت الحموي , تحقيق الدكتور فريد الرفاعي ، دار المعارف , القاهرة ،د.ت ,ج12، ص 240 .
17ـ ابن حزم الأندلسي ، د. زكريّا إبراهيم ، الدار المصرية ،القاهرة ,1965 ، 32ـ 33 .
18ـ ابن حزم الأندلسي ، عبد الكريم خليفة ، دار العروبة ، بيروت ،د.ت , ص10 .
19ـ ابن حزم صورة أندلسية، د. طه الحاجري ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1970 ، ص 9 .
20ـ المرجع السابق، ابن حزم الأندلسي ، د. زكريا إبراهيم ، ص56 .
21ـ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ، المقري التلمساني ، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر ، بيروت ، 1968 ، ج6 ، ص204.
22ـ المرجع السابق، ابن حزم الأندلسي ، د. زكريا إبراهيم ، ص58.
23ـ المرجع السابق الأدب الأندلسي ، د. منجد بهجت ،159 .
24ـ طوق الحمامة في الألفة والآلاف، ابن حزم الأندلسي ، تحقيق الطّاهر أحمد مكي ,دار المعارف ، مصر، 1977, ص2 .
25ـ المصدر نفسه ، ص 5 .
26ـ طوق الحمامة في الألفة والآلاف، ص 5 ـ 6 .
27ـ المصدر نفسه ، ص5.
28ـ المرجع السابق ، ابن حزم ، محمد أبو زهرة، ص168 .
29ـ طوق الحمامة في الألفة والآلاف، ص 5.
30ـ المصدر نفسه ، ص 6 .
31ـ ينظر طوق الحمامة في الألفة والآلاف، ص6 .
32ـ طوق الحمامة ، ص10 .
33ـ م.ن ، ص11.
34ـ م.ن ، ص11.
35ـ م.ن ، ص15 .
36ـ م .ن ، ص21 .
37ـ م.ن ,ص21 .
38ـ ينظر طوق الحمامة في الألفة والآلاف، ص6وما بعدها .
39ـ المصدر نفسه ، ص32 .
40ـ المصدر نفسه ، ص17 .
41ـ المصدر نفسه ، ص17 .
42ــ طوق الحمامة في الألفة والآلاف ، 29 .
43ـ 43المصدر نفسه ، ص 34 .
44ـ المصدر نفسه ، ص44 .
45ـ المصدر نفسه، ص16 .
46ـ م.ن ، ص24.
47ـ م.ن،ص 79 .
48ـ م.ن ،ص98 .
49ـ م.ن ، ص101 .
50ـ م.ن ، 116.
51ـ م.ن ، ص 126 .




ومَن يَرى في قضاءِ اللهِ خَيرَاً - يَجِـد خَيـرَاً يُألِّفـهُ القَضـاءُ = ومَن يَرجو لِقـاءَ اللهِ يَرضـى - غَداةَ الحَشـرِ يُسعِـدَهُ الِّلقـاءُ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الجنة دار السعادة
كبار الشخصيات ومستشارة لشئون الادارة
كبار الشخصيات ومستشارة لشئون الادارة


الجنس : انثى

عدد المساهمات : 55097


المشاركة رقم 3 موضوع: رد: فلسفة الأضداد( الحب والكراهية )عند ابن حزم الأندلس الخميس 22 نوفمبر 2012, 11:52 am

موضوع ثري ورائع لمثل العلم الجهبذ ابن حزم رحمه الله

جزاك الله خيرا



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فلسفة الأضداد( الحب والكراهية )عند ابن حزم الأندلس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الفتن  :: منتديات منوعة :: واجهة الادب-
لوحة الشرف لشهر نوفمبر 2016
269 عدد المساهمات
252 عدد المساهمات
100 عدد المساهمات
66 عدد المساهمات
32 عدد المساهمات
10 عدد المساهمات
7 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
1 مُساهمة
جميع الحقوق محفوظة
جميع الحقوق محفوظة لـكل مسلم
منتديات الفتن® www.alfetn.org
حقوق الطبع والنشر © 2016

منتدى الفتن