منتدى الفتن

منتدى اسلامي عام لأهل السنة والجماعة ويبحث في الفتن الحالية والمستقبلية وظهور المهدي وتحفيظ القرآن الكريم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول


شاطر|

المهدي المنتظر ... رؤية شرعية ونظرة منهجيّة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل
كاتب الموضوعرسالة
الجنة دار السعادة
كبار الشخصيات ومستشارة لشئون الادارة
كبار الشخصيات ومستشارة لشئون الادارة


الجنس : انثى

عدد المساهمات : 55097



المشاركة رقم 1 موضوع: المهدي المنتظر ... رؤية شرعية ونظرة منهجيّة الثلاثاء 20 مارس 2012, 3:51 pm

(1)

ذات يومٍ، وفي ربوع المدينة النبويّة، كان من أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- عجباً!، فبعد أن صلّى بالناس صلاة الفجر قام من مكانه، فصعد على المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم شرع في حديث مطوّل مع أصحابه!، حتى بلغ من فرط طوله أنه لم يتوقّف عن الكلام سوى ما كان من أوقات الصلاة حتى غربت الشمس وذهب اليوم كلّه ، أما مادة الخطاب فهي ما عبّر عنها حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بقوله:" ما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه" رواه البخاري.

ومن هذه الخطبة النبويّة المشهودة، ومن مواقف أخرى، روى لنا الصحابة الكثير من الأمور الغيبيّة التي أطلع الله سبحانه وتعالى بها نبيّه لتكون دليلاً على نبوّته وصدق رسالته، ولتكشف لنا ما ستؤول إليه الأمور وتتطوّر فيه الأحداث لتظهر معالم النهاية : نهاية الدنيا، ومن جملة تلك القضايا الغيبية لأشراط الساعة قضيّة خروج المهدي المنتظر في آخر الزمان.

وإنها لقضيّة كبيرة، ومسألة عظيمة، لها الكثير من الارتباطات في جوانب عدة ، فمن جانب: لها ارتباط بالركن الخامس من أركان الإيمان: ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) كما صحّ الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه مسلم، ومن جانب آخر: هي علمٌ من أعلام النبوّة ودليلٌ من أدلتها، وإن كنّا لم نرها فإنا ننتظر وقوعها وحدوثها، ومن جانب ثالث: أنها من مقتضيات الشهادة بأن محمداً عليه الصلاة والسلام رسول الله، فمن لوازمها المتفق عليها: طاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وتصديقه فيما أخبر، وقضيّة المهدي عليه السلام تدخل في جملة الأخبار النبويّة وأشراط الساعة الكبرى.

ومن جانب رابع : فيها توضيح لقضيّة محوريّة كان لها العديد من الآثار السياسية والتاريخية منذ فجر التاريخ الإسلامي وحتى يومنا هذا، خصوصاً مع الأدعياء الذين استغلّوا هذا المعتقد أبشع استغلال لبلوغ مآربهم الشخصيّة في الزعامة والملك، والطاعة والولاء.

ونظراً لأهميّة هذه القضيّة وكثرة من ولج فيها بالباطل، كان لابد من تجليتها وتوضيحها، وتأصيلها تأصيلاً شرعيّاً مستمدّاً من الكتاب وما صحّ من السنّة، مستأنسين بأقوال العلماء الراسخين الذين أثبتوها وصدّقوها، فلا تحريف ولا تأويل، ولا طعن ولا تكذيب، ومن ثم وضعها في إطارها الشرعي والعقدي الصحيح .

ومن الدواعي كذلك: إزالة ما تعلّق بهذه القضيّة الخطيرة من الأوهام والأباطيل، وإعادة العقول المنكِرة لها إلى جادة الصواب، ونقض الأصول الباطلة واللوازم الفاسدة التي بنوا عليها إنكارهم لهذه القضيّة الغيبيّة، في نظرةٍ متوازنة تُظهر جانباً من حقيقة المناهج "العقلانيّة" التي غلت في تقديس العقل حتى جعلته حاكماً على الوحي.

كما تظهر حقيقة المناهج "اللا عقلانيّة" التي طرحت عقلها جانباً، وتركته نهبا للخرافات التي عاثت فيه فساداً ، وأضفت الكثير من الأساطير حول ذلك الرجل الصالح الذي بشّر به الرسول –صلى الله عليه وسلم- في آخر الزمان، وعبثت بمصادر التلقّي وخلطت الغثّ بالسمين، حتى فقدت القضيّة معناها وحكمتها الإلهيّة السننيّة.

على أن الأمر ليس متعلّقاً بالجانب التأصيلي والتنظيري لها المعتقد فحسب، بل هو متعلّقٌ كذلك بمسألة تنزيل النصوص الواردة على أرض الواقع.

ومع سلسلة من المقالات التي سنتباحث فيها أمر المهديّ والمهدويّة، جاعلين هذا المقال كالتوطئة لما بعده، ومن الله نستمدّ العون والتوفيق.

التعريف بالمهدي وإطلاقاته في اللغة وفي الشرع

مصطلح "المهدي" مأخوذ من الفعل "هُدي"، فيقال: هُدي هدايةً فهو مهتدٍ ومهدي، والهدى يُطلق على الرشاد وعلى الدلالة، فقولهم: هذا هدى الله أي رشاده، ويقولون: هديته الطريق فما اهتدى أي دللته، كما قال الجوهري في الصحاح: "الهدى: الرشاد والدلالة، يؤنَّث ويذكَّر، يقال: هداه الله للدين هدى، وقوله تعالى: { أو لم يهد لهم } (السجدة:26)، قال أبو عمرو بن العلاء: أو لم يُبيِّن لهم. وهديته الطريق والبيت هِداية، أي عرَّفته..وهدى واهتدى بمعنى واحد".

وفي كتاب الكليّات للإمام أبي البقاء الكفوي بيان لمعنى الهدى: ".. والهدى اسم يقع على الإيمان والشرائع كلها؛ إذ الاهتداء إنما يقع بها كلها و:{ إنَّ الهُدى هُدَى الله } (آل عمران:73) أي الدين".

هذا عن الأصل اللغوي لمصطلح "المهدي"، أما عن الإطلاق الشرعيّ له فهو باعتبارين، أولهما: الاعتبار العام المأخوذ من الأصل اللغوي، بأن المهدي هو الذي أرشده الله إلى سبيله ووفقه لسلوك طريقه، ومن هذا القبيل جاء دعاء النبي –صلى الله عليه وسلم- لجرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه قوله: ( اللهم ثبّته، واجعله هادياً مهديّاً) متفق عليه، ودعاؤه عليه الصلاة والسلام لأبي سلمة رضي الله عنه :( اللهم اغفر لأبى سلمة وارفع درجته فى المهديين) رواه مسلم، ومنه أيضاً دعاؤه عليه الصلاة والسلام للصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان بقوله: ( اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به) رواه الإمام أحمد والترمذي، بل جاء وصفاً لنبي الله عيسى بن مريم عليه السلام، وذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : (يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى بن مريم إماما مهديّاً، وحكماً عدلاً) رواه أحمد في مسنده.

كما جاء هذا الوصف في حق الخلفاء الراشدين، في الحديث المشتهر عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، وفيه: ( فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) رواه أصحاب السنن عدا النسائي وأخرجه الإمام أحمد، يقول الإمام ابن الأثير موضحاً معنى الحديث: "المهدي : الذي قد هداه الله إلى الحق وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة .. ويريد بالخلفاء المهديين أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم وإن كان عاما في كل من سار سيرتهم".

ومثل هذا التعميم اللغوي ورد على ألسنة أهل الفصاحة والبلاغة، فأُثر عن شاعر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حسان بن ثابت وفي معرض رثائه للنبي - صلى الله عليه وسلم - قوله:

ما بال عينك لا تنام كأنها ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد

جزعاً على المهدي أصبح ثاوياً ... يا خير من وطيء الحصى لا تبعد

وورد على لسان زهير بن القين وصفه للحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قوله :

أقدم هديت هادياً مهدياً ... فاليوم تلقى جدّك النبيا

أما الاعتبار الثاني فهو الاعتبار الخاصّ، بأن يكون المقصود هو المهدي الذي جاءت الأخبار بخروجه آخر الزمان، وهذا المعنى هو الأشهر والأعم، وهو المقصود من البحث، يقول اللغوي المرتضى: " قد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة وبه سمي المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجيء في آخر الزمان".

أقسام الناس في المهدي عليه السلام

انقسم الناس في شأن المهدي المنتظر إلى ثلاثة أصناف :
صنفٌ أنكروا هذه القضيّة، وردّوا الأحاديث الصحيحة والأقوال المأثورة والحجج الدامغة، وذلك حين عجزت عقولهم عن إدراك الحكمة الإلهيّة من خروج المهدي آخر الزمان، واعتبروا قضيّته "فتنةً" جرّت على الأمة ويلات وتسببت في إراقة الدماء وفي ضلال الناس وبعدهم عن جادة الصواب، بل قال قائلهم: " لن يفرض –أي الرسول عليه الصلاة والسلام-على أمته التصديق برجل من بني آدم ، مجهول في عالم الغيب ، ليس بملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، ولا يأتي بدين جديد من ربه بما يجب الإيمان به ، ثم يترك أمته يتقاتلون على التصديق والتكذيب به إلى يوم القيامة ، إن هذا من المحال أن تأتي الشريعة به إذ هو جرثومة فتنة دائمة! ، ومشكلة لم تحل".

وصنفٌ على النقيض من ذلك تماماً ، حيث تجاوزوا حدّ الاعتدال إلى الغلو في الإثبات، فتضخّم معتقدهم في المهدي عليه السلام، ونسبوا له قدرات أسطوريّة وأحوالاً خرافيّة، وما داخلهم هذا الضلال إلا لفساد منهجهم في التعامل مع الأخبار الواردة، حيث قبلوا كل ما جاء دون تمحيصٍ أو تدقيق، فكان أن نسبوا للمهدي عليه السلام ما ليس فيه، وخلطوا بين الحق والباطل.

والحق دائماً وسطٌ بين طرفين، وهو الموقف الذي اتخذه علماء أهل السنة والجماعة على مرّ العصور وتوالي الدهور، فأثبتوا أصل المعتقد في المهدي المنتظر، باعتباره رجلاً صالحاً بشّر به النبي –صلى الله عليه وسلم- يصلحه الله في يومٍ وليلة، وله دورٌ محوري في العصر الذي يظهر فيه مع حاجته للشرفاء من الأمة حوله، ليس بنبي ولا معصوم ولكن إمام مهدي وموفق للحق، وبتوفيقه يتنعّم الناس في زمانه بالعيش الرغيد والخير الوفير والأمن والأمان، وسوف نقف على صفاته بشكل أوسع في الأجزاء الباقية من الموضوع بإذن الله تعالى.

(2)

ولله في المهدي حكمة !

لا يخفى على من تأمل قضيّة خروج المهدي المنتظر وما يسبقها من وقائع أو يتبعها أحداث أهمية هذه القضيّة ومحوريتها ، ولا نبعد كثيراً إن قلنا أن هذا الحدث يُعدّ علامةً فارقة ونقطة تحوّل مهمّة في السياق التاريخي والحضاري، ومن البيّن أن تلك الحقبة سوف تشهد مفاصلةً بين مرحلتين بينهما من التباين والاختلاف الشيء الكثير، حتى لكأنّهما طرفي نقيض وانعكاس مرآة .

وسنحاول من خلال هذا الموضوع أن نستلهم شيئاً من الحكم الربانية والنواميس الكونية الكامنة وراء خروج المهدي المنتظر واستخلافه في الأرض، وذلك من خلال التدبّر في النصوص الواردة في هذا الشأن ، فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: الحديث عن خروج المهدي المنتظر ينبع من إيماننا التام باتصاف الله سبحانه وتعالى بصفة الحكمة في شرائعه وقوانينه، وفي أقداره وقضائه، والحكمة إنما هي وضع الشيء في موضعه، وأفراد هذه الحكم الربانية مما لا تدرك نهايتها ولا يحيط بها أحدٌ من الخلق علماً، وكلما كان قلب المؤمن أكثر انفتاحاً على الهدى وأنقى سريرة وأقلّ تلوثاً بالذنوب، كلما زادت قدرته على استشراف العلم والمعرفة واستجلاء الحكم الكامنة من وراء شرع الله سبحانه وتعالى وأقداره.

ثانيا: خروج المهدي المنتظر واقعٌ ضمن سنن الله الكونية التي لا تتغيّر ولا تتبدّل، فأحداث الكون ليست خبط عشواء تجري بلا قانون، ولكنها خاضعة لنواميس معلومةٍ تحكمها وتسيّرها، ولذلك وجّه الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين إلى النظر والاتعاظ والادّكار حتى يتعرّفوا عليها وينتفعوا بها، ويعلموا أسباب النصر والتمكين، ويحسنوا تقدير العواقب .

وبإمكاننا أن ندرك شيئاً من هذه النواميس الكونية إذا أمعنّا في الظروف التاريخية والدينية والسياسية التي تسبق خروج المهدي عليه السلام، والأسباب التي ستؤدي إلى نجاحه في قيادة الأمة وتوحيدها، والنتائج التي يتوقّع حصولها والتي ستنعكس على مجريات الأحداث من بعده، في نظرةٍ ثاقبةٍ تستصحب أبعاد الزمن كلّه: ماضيه وحاضره ومستقبله.

ثالثاً: عند النظر في الحال التي سيُبعث فيها المهدي المنتظر، نجدّ أنها حالةٌ من الوصول إلى نهاية المنحدر في البعد عن منهج الله ودينه، كما جاء في النصوص الشرعيّة التي تبين أن ذلك الزمان سيُملؤ ظلماً وجوراً وعدواناً على الحقوق، وهذا النقص الحاصل قد وقع في الأمم من قبلنا يعتريهم بعد موت الأنبياء وانقطاع الوحي، وقد أتى على هذه الأمة ما أتى على الأمم قبلها ، فبعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يزل هذا النقص يتسع ويزداد مع مرور الزمن ، مصداقاً لما أخبرنا به النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً : ( إنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم )، وفي الحديث الذي رواه مسلم أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء)، ومعلومٌ أن من معاني غربة الإسلام غربة تطبيق تعاليمه والتي يأتي في مقدمها: الأمر بالعدل والنهي عن الظلم، قال سبحانه وتعالى: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} (النحل:90)، والعدل قد اتفقت على مكانته الشرائع الربانية والعقول الحكيمة والفطر السليمة، لكونه سبباً رئيساً في استقرار الدول وفشو الخير واستتباب الأمن، وقد استقرّ في النفوس وشهد الواقع أن الله تعالى ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ويخذل الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.

وتشير النصوص الشرعيّة الواردة في حق المهدي المنتظر إلى الوهن الحضاري المسيطر على البشريّة في ذلك الزمان، من خلال هذه الكلمات الثلاث : "الظلم، والجور، والعدوان"، وتدخل فيها العديد من الصور والأمثلة كالغصب والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، والغش والخيانة والقهر، والتجرّء على حقوق الآخرين، والتسلّق على أكتاف الضعفة والمساكين والمتاجرة بقضاياهم لتحقيق المآرب الشخصيّة، فضلاً عن إبادة الشعوب وإراقة دمائهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، وغيرها من الصور التي لا يتّسع المقام لذكرها.

وما أسهل على أممٍ وصلت الغاية في الظلم والجور أن تسقط وتضمحل، مصداقاً لما جاء في في محكم التنزيل من قوله تعالى: { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة} (الحج:48) ، وقوله تعالى: { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين} (الأنبياء:11)، فسينشيء الله تعالى على أنقاض تلك الأمم البائدة حضارةً تعيد الأمور إلى نصابها، وتقضي على مظاهر الظلم وألوان الاستعباد، وتؤسس منهجاً حضاريّاً يستمدّ قوّته من اتصاله بالسماء، وتحقيقه للعدل والأمانة المفقودين، ليقود الدنيا بخلافة مسلمة تكون على منهاج النبوة.

رابعاً: ثمة رابطةٌ واضحة بين خروج المهدي المنتظر وبين معنى التجديد العام الذي بشّر به النبي –صلى الله عليه وسلم- في قوله: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) رواه أبو داوود، وما سيقوم به المهدي المنتظر في خلافته من إصلاح الأحوال وإقامة الحق هو من هذا الباب بلا شك.

ونقول للتوضيح: إذا تقادم الزمن على شيء فإنه يطرؤ عليه التغيير في أمورٍ ثلاثة: أن تُطمس بعض معالمه، أو أن يُنتقص شيءٌ منه، أو يُزاد عليه ما ليس منه، وهذه الأمور الثلاث تعتري الدين مع مرور الأيّام، فنشهد في كلّ عصرٍ تتغييباً للحقائق الشرعيّة والثوابت العقدية، وإنكاراً للأحكام ونسبتها للدين، واختراع لأحوال وتشريعيات لم يأذن الله بها ، فيكون دور المجدّد أن يعيد الأمة إلى أصولها النقيّة من كلّ شائبة، فيُظهر الحقائق، ويُنكر مبتدعات الأمور ويؤصّل الحقّ ويبيّنه.

والأجواء التي سيُبعث فيها المهدي المنتظر تُشعر بوجود بعدٍ كبير عن منهج الله تعالى كنتاجٍ طبيعيّ لطبيعة الحكم الدائر في ذلك الزمان: ملكٍ جبري متوارثٍ بين الملوك والحكّام بعيدٍ عن الرشاد المأمور به، مغاير لأحكام الخلافة الراشدة، يشير النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك في قوله: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضّاً فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبريةً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) رواه أحمد.

وإذا كانت خلافة المهدي المنتظر خلافةً قائمة على منهاج النبوة –بنصّ الحديث- فمن مقتضيات ذلك أن يصحبها إصلاحات شاملة في جميع الجوانب، العقدية منها والسياسية والاقتصادية والاجتماعيّة، فضلاً عن غيرها من الأمور التي تندرج تحت مظلّة الخلافة الراشدة، وهذا المعنى يتسق مع ما ذكرناه من مقاصد التجديد ومعانيه.

خامساً: بيان أن الخير في الأمة لا ينتهي، فصحيحٌ أن الحكم العام المجمل على الأجيال أنها في تناقص قدراً وفضلاً، على النحو الذي يُخبر به النبي –صلى الله عليه وسلم- بقوله: (لا يأتي عليكم عام أو يوم إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) رواه أحمد، إلا أنه لا يمكن أن يخلو زمانٌ من القائمين بحق الله، المقيمين لشرعه، المتمسكين بهديه، والعاملين على نصرته والذبّ عن حياضه، رجالٌ تنهض بهم الشعوب، وتحيا بهم الأمم، ظاهرين على الحق منصورين، يغرسهم الله غرساً ويصنعهم على عينه، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته) رواه أحمد.

وهذه الثُلّة المؤمنة ليست بالقليلة، بل هم من الكثرة والبركة ما يُشبه المطر، إذا مات أحدهم خلفه آخر، في سلسلة لا تنقطع ونهرٍ لا يتوقّف، فعن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- قال: (مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره) رواه الترمذي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومعنى الحديث أنه يكون في آخر الأمة من يقارب أولهم في الفضل، وإن لم يكن منهم، حتى يشتبه على الناظر أيهما أفضل"، ومثل هذا الكلام ينطبق على المهدي المنتظر ويدخل فيه دخولاً أوليّاً، بسيرته العطرة التي تذكّرنا بالخلفاء الراشدين، ورعايته للنهضة الشاملة، وتحقيقه لنقلةٍ حضاريّة بعيدة ما كان للأمة أن تبلغها لولا فضل الله وتوفيقه.

سادساً: إن في اختيار الله عزّ وجل لشخصيّة المهدي المنتظر وإلهامه للقيام بهذه المهمة العظيمة هو نوعٌ من الاصطفاء والاختيار الإلهيّ، وكما أن للخالق أنبياء يصطفيهم من دون الناس فله كذلك اصطفاءات ممن هم دونهم، وإن كان هذا الاصطفاء خاصاً لا علاقة له بوحيٍ أو نبوة، ونجد ذلك جليّاً في الحديث الذي مرّ معنا قريباً: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته) رواه أحمد.

سابعاً: خلافة المهدي المنتظر وقيامه بتطبيق تعاليم الإسلام ومبادئه يصنع نموذجاً معاصراً تشهده بقيّة الأمم، وتقف من خلاله على حقيقة الإسلام وجوهره، وكيف تكون الخلافة المتصلة بالأفق الأعلى وما المرجو من تحقيقها؟، وما الآثار المترتبة عليها، الأمر الذي سيدفعهم إلى إعادة النظر في أحكامهم المسبقة حول الإسلام والمسلمين، ويحملهم على تقبّله ودراسته والاستفادة منه كمنهجٍ حضاريٍّ قابل للاقتداء والاتباع.

ثامناً: تشير عددٌ من الأحاديث الصحيحة أن خلافة المهدي المنتظر وبفضل استقامتها والتزامها موعودةٌ بالبركة الدنيويّة وسعة الرزق وعموم الرخاء، فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: (يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، و تخرج الأرض نباتها، و يعطى المال صحاحاً، و تكثر الماشية، وتعظم الأمة) رواه الحاكم في المستدرك وصححه الذهبي، والبركة إنما هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وتُستجلب بتقوى الله عزّ وجل وعبادته وإقامة شريعته، عندها تعمّ الخيرات وتفيض البركات، مصداقاً لقوله تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض } (الأعراف:96).

وعند استعراض التاريخ نجد الارتباط الوثيق بين البركة والتقى بدءاً بعهد النبي –صلى الله عليه وسلم- ومن بعده، في أمثلةٍ كثيرة لا تُحصى، وقد سجّل الإمام أحمد رحمه الله تعالى شهادته في مسنده فقال: "وُجِد في خزائن بني أمية حنطة، الحبة بقدر نواة التمر، وهي في صرّةِ مكتوب عليها: هذا كان ينبت في زمن العدل"، ولا يزال الناس يمايزون بين أهل الصلاح وبين غيرهم بالبركة الحاصلة في أعمارهم وأرزاقهم بين الحين والآخر، حتى إنك لتجد أرضين متجاورتين تفوّقت إحداهما على الأخرى في الزرع والثمار، ويكون السبب في صلاح أهالي تلك القرية دون جيرانهم.

تاسعاً: إن الخلافة المهديّة التي ستقوم آخر الزمان ليست مهمّةً تقع على عاتق رجل واحد سيقود الأمّة، فالبعض يظنّ أن المهدي المنتظر يملك عصاً سحريّة قادرةٍ على قلب الأحوال وتبديلها، ولا شكّ أن هذا التصوّر الساذج إنما جاء بسبب النظرة القاصرة في سنن الله ونوامسيه، وانعدام الرؤية بأن التغيير منوطٌ بالعمل، ويؤكّد القرآن هذا المعنى في قول الباري تبارك وتعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد:11)، فلا بد من إعداد الجيل الواعي الذي ستقوم عليه أعباء الإصلاح والتغيير، ولذلك سيُقاتل المهدي عليه السلام بجيش كامل، فكيف سيُنصر النصر الكامل إن لم يكن في الأمة زهّادٌ وعبّادٌ، وصالحون ومربون، وقائمون بحدود الله؟، فلا بد إذن من تهيئة الأرض وإقامة الدين حتى يتمكن المهدي عليه السلام من تحقيق النصر.

عاشراً: صحّ في الخبر أن نبي الله عيسى عليه السلام سيصلّي وراء الإمام المهدي ويرفض أن يتقدّمه في الصلاة، وكأنها إلماحةٌ إلهيّة إلى أن حقيقة دين الأنبياء والرسل واحدة، وأن جميعهم ما بُعثوا إلا بالدعوة لدين الإسلام الذي هو جوهر الرسالات ولبّها، فعلى الرغم من اختصاص كلّ واحد منهم بشريعته ومنهجه الخاصّ به: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} (المائدة:48) إلا أن الرسالات كلّها اتحدت في حقيقة إيمانيّة واحدة تدعوا إلى توحيد الله تعالى والإيمان بالكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وتتمسّك بالقيم الأخلاقيّة والصفات النبيلة، وعلى ذلك توالت الدعوات كلّها من لدن آدم عليه السلام وحتى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو الإسلام بمعناه العام وهو المقصود من قوله تعالى:{ إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران:19).

ولما كانت الشريعة "المحمديّة" هي الشريعة الخاتمة التي ارتضاها الله سبحانه وتعالى لعباده إلى قيام الساعة، كان نبي الله عيسى عليه السلام وهو المبعوث من ربّه أولى الناس بالالتحاق بركبها، واتباع منهجها، ولو كان غيره من الأنبياء حيّاً ما وسعه غير ذلك، روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( والله لو كان موسى حيّاً بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني) رواه البيهقي في شعب الإيمان وأحمد في مسنده، فالظنّ أن هذا هو سبب امتناع النبي عيسى عليه السلام من تصدّر الناس بالإمامة رغم أنه الأكمل قدراً والأرفع منزلة.

الحادي عشر: استنبط العلماء من هذه الحادثة ومن أمثالها (يوم صلّى النبي –صلى الله عليه وسلم- مأموماً وأبوبكر رضي الله عنه إماماً، وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه في موقف مشابه) جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وقد نصّوا على ذلك في مواضع عدّة من كتبهم.

الثاني عشر: في بعثة المهدي المنتظر تحقيقٌ للعزّة والنصرة المنشودة بعد هيمنة الباطل وإمساكه بزمام الأمور وسطوته على الأمم والشعوب، وبيانٌ أن عقبى الدار للمؤمنين، وأن الذلة والدائرة على الكافرين، هذا هو الوعد الربّاني الذي لم تزل الأمة تتطلّع إليه وتنتظره منذ أن جاءت النصوص الشرعيّة تبشّر به المستضعفين، منها قوله تعالى: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } (المجادلة:21)، وقوله تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون } (الصافات:171-173)، وبشرى النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته بقوله: ( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ الا أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) رواه أحمد في مسنده والبيهقي في سننه.
الثالث عشر: جاء في بعض الروايات وصف النبي –صلى الله عليه وسلم- للمهدي بقوله: (يصلحه الله في ليلة) رواه ابن ماجة، وقد ذكر العلماء أن المقصود أن الله يهيّؤه للخلافة في يوم، أو يوفّقه الله ويرشده، وفي كلا المعنيين إشارةٌ مهمة تدعونا إلى نبذ اليأس في هداية الناس، وكم من القادة والعظماء من كانوا في مبدأ حياتهم مغمورين ليس لهم رصيدٌ في الواقع ولا أثرٌ في المجتمع، ثم يهيّئهم الله ويمدّهم بتوفيقه حتى يتربعوا عرش القيادة والتوجيه، والتوفيق من الله عز وجل.

وبعد: فما أشرنا إليه ليس سوى غيض من فيض، لم يكن المقصود منه استقصاء كلّ تلك الحكم وإلا فالكلام في هذا الباب طويل، وكلما زاد المرء تأملاً اتضحت له جوانب أخرى وفوائد جديدة، والله الموفق.

(3)

الأدلة الشرعية على إثبات المهدي

كما هو الشأن في أي قضيّة عقديّة، فإن مدار إثباتها ورود الأدلة الشرعيّة الصحيحة الثابتة عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، والمحققة لشروط القبول عند أئمة التحقيق من المحدثين، ويتأكد هذا الطريق في القضايا العقديّة الخبريّة التي لا مجال فيها للدلائل الشرعيّة الأخرى، الأمر الذي ينطبق على مسألة خروج المهدي في آخر الزمان .

وقد ردت جملة كبيرة من الأحاديث الصحيحة التي تحدثت في شأن المهدي ، وتنوّعت في دلالاتها ما بين مصرّحةٍ بذكره ومحتملةٍ لقصده، وهي في ذلك تذكر شيئاً من سيرته واسمه وأوصافه وأحواله، في جملةٍ من الأحاديث المرفوعة والآثار المرويّة عن الصحابة رضوان الله عليهم والمبثوثة في بطون كتب السنة.

وسوف نقوم بسرد ما تيسّر من تلك الأحاديث الثابتة إن شاء الله وفق التقسيم التالي:

القسم الأول: أحاديث صريحة في شأن المهدي

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويُعطى المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً -يعني حِجَجاً) رواه الحاكم في المستدرك وصححه الإمام الذهبي، والمقصود بالحِجَج : السنوات.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعُدواناً، ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي، يملؤها قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وعُدواناً) رواه الإمام أحمد، وأبو يعلى في مسنده، كما أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه ، ووافقه على ذلك الذهبي .

وعنه رضي الله عنه قال: خشينا أن يكون بعد نبيّنا حدث ، فسألنا نبي الله - صلى الله عليه و سلم- فقال: (إن في أمتي المهدي، يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً ، فيجيء إليه رجل فيقول: يا مهدي، أعطني أعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله) رواه الترمذي في السنن وأحمد في المسند.

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة) رواه ابن ماجة، وابن أبي شيبة في مصنفه، وصححه الشيخ أحمد شاكر.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : (المهدي مني ، أجلى الجبهة ، أقنى الأنف ، يملأ الأرض قسطاً وعدلا ً كما مُلئت جوراً وظلماً، يملك سبع سنين) رواه أبو داوود في سننه، والحاكم في مستدركه، وجوّد إسناده الإمام ابن القيم، ومعنى أجلى الجبهة: منحسر الشعر عن مقدّم الرأس أو بمعنى : واسع الجبهة، ومعنى أقنى الأنف: دقيق الأنف.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهلي يواطىء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً) رواه أبوداوود والترمذي، وقد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة، وابن القيم في المنار المنيف.

وبنحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لبعث الله عز وجل رجلا منّا، يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً) رواه الإمام أحمد، وصحح إسناده العلامة أحمد شاكر.

وعن أم سلمة رضي الله عنها، أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) رواه أبو داوود، ورمز له السيوطي بالصحة، والعترة هم أولاد الرجل من صلبه كما قال الإمام الخطّابي.

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ينزل عيسى ابن مريم ، فيقول أميرهم المهدي : تعال صل بنا، فيقول: لا؛ إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة ) أخرجه أبو نعيم في كتابه أخبار المهدي ، وجوّد إسناده الإمام ابن القيم ، وأصله في صحيح مسلم بلفظ : (فيقول أميرهم تعال) ، دون التصريح باسم المهدي .

القسم الثاني: أحاديث ثابتة محتملة المعنى

عن عائشة رضي الله عنها قالت : عبث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منامه –أي تحرّك وهو نائم-، فقلنا: يا رسول الله، صنعتَ شيئاً في منامك لم تكن تفعله، فقال: (العجب أن ناساً من أمتي يؤمّون هذا البيت لرجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم)، فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد تجمع الناس!، قال: (نعم، فيهم المستبصر –أي المستفهم والمستوضح-والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر شتّى، يبعثهم الله عز وجل على نيّاتهم) رواه البخاري ومسلم واللفظ له ، والمقصود أن ذلك الجيش الذي قصد المهدي قد جمع الأخيار والأشرار، فيُخسف بهم جميعاً ، لكن مآلاتهم حينما يُبعثون مختلفة ، فريقٌ في الجنة وفريق في السعير، على حسب نياتهم وأعمالهم .

وعن عبيد الله بن القبطية قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان وأنا معهما على أم سلمة رضي الله عنها، فسألاها عن الجيش الذي يخسف به - وذلك في أيام ابن الزبير رضي الله عنه -، فقالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يعوذ عائذ بالبيت، فيُبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم)، فقلت يا رسول الله، فكيف بمن كان كارها؟ قال: (يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته) رواه مسلم.

وعن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يبايع لرجلٍ بين الركن والمقام، ولن يستحل البيت إلا أهله ، فإذا استحلّوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فيخرّبونه خراباً لا يعمر بعده أبداً، هم الذين يستخرجون كنزه) رواه الإمام أحمد، وابن حبان في صحيحه، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال) رواه الإمام مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟) متفق عليه ، وقد ورد التصريح باسم الإمام في رواية أخرى سبق ذكرها .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق – بلدة في حلب -، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ ، فإذا تصافّوا قالت الروم : خلوا بيننا وبين الذين سَبُوا منا نقاتلهم ، فيقول المسلمون : لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا تقاتلونهم. فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً ، ويُقْتَل ثلثُهم أفضل الشهداء عند الله ، ويفتح الثلث لا يُفتنون أبداً، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلّفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل –أي أن الخبر باطل!-، فإذا جاءوا الشام خرج –يعني الدجال-، فبينما يعدّون للقتال يسوّون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم عليه السلام فأمّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته) رواه مسلم، ومعنى أمهم : قصدهم.

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم عليه السلام فيقول أميرهم: تعال صلّ بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة) رواه مسلم، وفي هذه الرواية لم يصرح باسم المهدي وإن جاء التصريح بها في رواية أخرى كما أشرنا من قبل .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:( لو لم يبقى من الدنيا إلا ليلة لملك فيها رجل من أهل بيت النبي -صلى الله عليه و سلم-) رواه ابن حبان.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (يخرج في آخر الزمان خليفة يعطي الحق بغير عدد) رواه ابن ابي شيبة في مصنفه.

وقد صرّح غير واحد من أهل العلم بأن مجموع الأحاديث الواردة في شأن المهدي عليه السلام قد بلغت حد التواتر، ومن هؤلاء : الإمام السفاريني حيث قال : "كون المهدي من ذريته - صلى الله عليه وسلم- مما تواتر عنه ذلك ؛ فلا يسوغ العدول عنه ولا الالتفات إلى غيره "، ويؤكد ذلك العلامة البرزنجي بقوله :" أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ولد فاطمة رضي الله عنها بلغت حد التواتر المعنوي؛ فلا معنى لإنكارها".

وأفرد القاضي محمد بن علي الشوكاني مصنفاً أسماه "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح"، ومما جاء فيه: " الأحاديث الواردة في المهدي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول ، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي؛ فهي كثيرة أيضًا، لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك".

ومن جملة تلك الآثار، ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : "لا تمضي الأيام والليالي حتى يلي منا أهل البيت فتى لم تلبسه الفتن ولم يلبسها"، فقيل له: "يا أبا عباس، تعجز عنها مشيختكم وينالها شبابكم؟!"، فقال: "هو أمر الله يؤتيه من يشاء"، رواه ابن عساكر في تاريخه، وأخرجه ابن حنبل في فضائل الصحابة.

ومنها ما جاء عن محمد بن الحنفية قال : كنا عند علي رضي الله عنه ، فسأله رجل عن المهدي ، فقال علي رضي الله عنه : هيهات، ثم عقد بيده سبعاً فقال : ذاك يخرج في آخر الزمان، إذا قال الرجل الله الله قُتل ، فيجمع الله تعالى له قوماً قزع كقزع السحاب -أي أنهم قلّة -، يؤلف الله بين قلوبهم، لا يستوحشون إلى أحد، ولا يفرحون بأحد، يدخل فيهم على عدة أصحاب بدر لم يسبقهم الأولون و لا يدركهم الآخرون و على عدد أصحاب طالوت الذين جاوزا معه النهر، رواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي – أي المهدي -، رواه الترمذي .

هذا ما تيسّر جمعه من الأحاديث والآثار الصحيحة، كان المقصود منها أصالةً إثبات وجود الأصل الشرعي لهذه القضية ، دون الخوض في فقه هذه الأحاديث ومقاصدها ومعانيها .

(4)

أقوال العلماء في المهدي

لم تكن قضية المهدي بمعزلٍ عن اهتمام علماء أهل السنة في القديم والحديث، فالواقع يشهد بما أولوه من عنايتهم بذكرها وتحريرها، وإفرادهم لها بالتصنيف والتأليف، وتضمينهم لها فيما ينظمونه من أشعارهم وأرجوزاتهم، ناهيك عن الاستشهاد بها وإزالة اللبس عمّا يعارضها، ولا شكّ أن هذا الاهتمام الواضح يعكس إيمانهم العميق بهذه المسألة العقديّة وبثبوتها لديهم .

وفيما يلي أسماء بعض تلك المصنفات التي أُفردت في مسألة المهدي المنتظر:
- كتاب "صفة المهدي" للحافظ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني .
-كتاب "البيان في أخبار صاحب الزمان" للإمام محمد بن يوسف الكَنجي الشافعي .
-كتاب "عقد الدرر في أخبار المنتظر" للإمام جلال الدين يوسف بن يحيى بن علي المقدسي الشافعي .
-كتاب "العواصم عن الفتن القواصم" للعلامة ابن بريدة .
-كتاب "العرف الوردي في أخبارالمهدي" للحافظ جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي.
-كتاب "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر" للإمام ابن حجر الهيتمي المكي .
-كتابي "البرهان في علامات مهدي آخر الزمان" و"تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان" للملا علي بن حسام الدين الهندي .
-كتاب "المشرب الوردي في مذهب المهدي"للملا علي بن سلطان القاري الهروي.
-كتاب "فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر" للشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي.
-كتاب "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح" للقاضي محمد بن علي الشوكاني .
وهناك من العلماء من أفرد أجزاء ومصنفات لهذه المسألة وإن لم نعلم أسماءها، ومن بين هؤلاء: الإمام أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادى ، والحافظ عماد الدين بن كثير، والعلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني .

ومن أقوالهم في ذلك :
ما جاء عن الإمام الحافظ أبو جعفر العقيلي في كتابه الضعفاء قوله : "في المهدي أحاديث جياد" أي أن الأحاديث عنده ثابتة .
وفي "شرح السنة" للإمام البربهاري قال: "والإيمان بنزول عيسى بن مريم عليه السلام ينزل فيقتل الدجال ويتزوج، ويصلي خلف القائم من آل محمد - صلى الله عليه و سلم - ".
وفي تفسير الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى ، عند كلامه على قول الله تعالى: {لهم في الدنيا خزي} (البقرة: 144) ، نقل عن السدّي قوله : "أما خزيهم في الدنيا، فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم ، فذلك الخزي ، وأما العذاب العظيم فإنه عذاب جهنم ، الذي لا يخفف عن أهله ، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا " وقد ذكر الحافظ ابن كثير مثل هذا التفسير عن عكرمة ووائل بن داود ، وإن كان قد صحّح أن المقصود بالخزي أعم من ذلك .
والمقصود أن هذه التفسيرات وإن كان الراجح خلافها فإنها تدلّ على أن قضيّة المهدي المنتظر كانت معلومة معروفة يعتقدون بصحّتها.

يقول الحافظ أبو الحسن الآبري في كتاب مناقب الشافعي : " وقد تواترت الأخبار واستفاضت وكثرت بكثرة رواتها عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بخروجه ، وأنه من أهل بيته ، وأنه يملك سبع سنين ، وأنه يملأ الأرض عدلاً ، وأنه يخرج مع عيسى عليه السلام فيساعده على قتل الدجال بباب لُد – وهي قرية معروفة - ، بأرض فلسطين ، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه".
ونقل الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب قول الإمام البيهقي : "والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح ألبتة إسناداً ".

ويقول الإمام السفاريني في كتابه لوامع الأنوار البهية ما نصّه: " قد روي عن بعض الصحابة بروايات متعددة ، وعن التابعين من بعدهم ، ما يفيد مجموعه العلم القطعي ، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة" ، وقال في موضع آخر: "وقد كثرت الروايات بخروجه (يعني : المهدي )، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم".

ومن نظمه قال :
وما أتى في النص من أشراط.. فـكله حـق بلا شطاط
منها الإمام الـخاتم الفصيح ..مـحمد المهدي والمسيح

وفي معرض ذكر فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن النخعي السهيلي ، في الروض الأنف : ".. ومن سؤددها أن المهدي المبشر به في آخر الزمان من ذريتها، فهي مخصوصة بهذه الفضيلة دون غيرها، عليها السلام".

وفي منهاج السنة النبوية يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة ، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم، من حديث ابن مسعود وغيره"، وفي الفتاوى المصرية جاء عنه قوله": وأما الأحاديث المأثورة في المهدي فمنها ما هو صحيح ومنها ما هو حسن".

وقد تكلّم الإمام ابن القيم رحمه الله عن المهدي المنتظر في كتابه إغاثة اللهفان فقال: "والمسلمون ينتظرون نـزول عيسى بن مريم من السماء، لكسر الصليب، وقتل الخنـزير، وقتل أعدائه من اليهود وعُبَّادِه من النصارى، وينتظرون خروج المهدي من أهل بيت النبوة، يملأ الأرض عدلاً ، كما ملئت جوراً " .

وقال أيضاً في المنار المنيف - بعد أن ساق بعض أحاديث المهدي – :" وهذه بعض الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة ، فهي مما يقوي بعضها بعضاً ويشد بعضها ببعض .." .

ويبقى أن نقول: لقد قام علماء أهل السنة بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في شأن المهدي المنتظر في كتبهم ومصنّفاتهم الحديثيّة ، وبوبوا عليها بما يشير إلى المهدي صراحةً أو ما يُفهم منه ذلك، الأمر الذي يشير إلى اعتقادهم إجمالاً بأنّ لخروجه آخر الزمان أصلاً معتبراً، وإن اختلفت آراؤهم في تفاصيل ذلك .

الاسلام ويب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو الحسن
عضو جديد
عضو جديد


الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 8



المشاركة رقم 2 موضوع: رد: المهدي المنتظر ... رؤية شرعية ونظرة منهجيّة الأربعاء 21 مارس 2012, 12:26 am

بارك فيك على التوضيح المبين بحث قيم يستاهل ان يكون في مجلدو يدرس هذا البحث يغني كل باحث لحقيقة المهدي وجزاك الله خير تحياتي واعجابي الشديد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد مصطفي
عضو نشيط
عضو نشيط


الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 152



المشاركة رقم 3 موضوع: رد: المهدي المنتظر ... رؤية شرعية ونظرة منهجيّة السبت 18 أغسطس 2012, 5:32 pm

بارك الله فيك عندي معلومات قيمة عن المهدي لم تذكريها فساجتهد وافتح موضوع جديد يكون تابعا لمقالتك ان شاء الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
احمد1992
عضو جديد
عضو جديد


الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 20



المشاركة رقم 4 موضوع: رد: المهدي المنتظر ... رؤية شرعية ونظرة منهجيّة الخميس 23 أغسطس 2012, 1:03 pm

شكرا جزيلا الموضوع مفيد جدا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
احمد1992
عضو جديد
عضو جديد


الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 20



المشاركة رقم 5 موضوع: رد: المهدي المنتظر ... رؤية شرعية ونظرة منهجيّة الخميس 23 أغسطس 2012, 1:09 pm

مفيد جدا اشكرك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المهدي المنتظر ... رؤية شرعية ونظرة منهجيّة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الفتن  :: منتديات الفتن :: منتديات دراسة احداث آخر الزمان :: معلومات وابحاث عن المهدي-
لوحة الشرف لشهر نوفمبر 2016
115 عدد المساهمات
45 عدد المساهمات
40 عدد المساهمات
35 عدد المساهمات
6 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
1 مُساهمة
جميع الحقوق محفوظة
جميع الحقوق محفوظة لـكل مسلم
منتديات الفتن® www.alfetn.org
حقوق الطبع والنشر © 2016

منتدى الفتن