منتدى الفتن

منتدى اسلامي عام لأهل السنة والجماعة ويبحث في الفتن الحالية والمستقبلية وظهور المهدي وتحفيظ القرآن الكريم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول


شاطر|

التحاسد بين العلماء

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل
كاتب الموضوعرسالة
ليان
كبار الشخصيات ومستشارة لشئون الادارة
كبار الشخصيات ومستشارة لشئون الادارة


الجنس : انثى

عدد المساهمات : 20424



المشاركة رقم 1 موضوع: التحاسد بين العلماء السبت 30 أبريل 2016, 5:44 am

التحاسد بين العلماء



من مأثورات عمر بن أبي ربيعة الشاعر قولُه:
حَسَدًا حُمِّلْنَهُ مِنْ أَجْلِهَا 
وَقَدِيمًا كَانَ فِي النَّاسِ الحَسَدْ 
 
أي: إن الحسد موجود في الإنسان منذ خُلق، وبسببه قتل أحدُ ابنَي آدم أخاه، على قرب عهد بالجنة، وعلى قلَّة ما جدَّ في الدنيا من أسبابٍ تؤدي إلى الأثرة، والتحاسد، والتنافس؛ ولكنه الداء الوبيل الذي أعدَّه الشيطان ليكيد للإنسان، والذي كان طبعًا في إبليس، فأراد أن يبثَّه في بني آدم؛ ليفسد به حياتهم، وينغص معيشتهم، روى ابن القاسم عن مالك - فيما يحكيه القرطبي في "تفسيره" - أنه قال: بلغني أن أول معصية كانت الحسدَ والكبر، حسد إبليسُ آدم، حسده - كما قال قتادة - على ما أعطاه الله من الكرامة، وحين أمر الملائكة بالسجود له.
 
ومما ينسب إلى على - رضي الله عنه - فيما يرويه كتاب "بهجة المجالس": قال إبليس لجنوده: ألقُوا بين الناس التحاسدَ والبغي؛ لأنهما يعدلان الشرك.
 
وسرى هذا الداءُ الوبيل إلى قابيل، الذي حسد أخاه هابيل، الذي تقبَّل الله قربانه، فقتله، وقص الله قصتهما في سورة المائدة، حيث قال - جل شأنه -:﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [ المائدة من 27 إلى 32].
 
ولم ينجُ من الحسد أخصُّ الناس من سلالة الأنبياء والمقرَّبين، وإخوةُ يوسف الذين حسدوا أخاهم خيرُ شاهد على ذلك.
 
وتوارث الناس هذا الحسدَ الذي أثمر البغي، حتى قال الشاعر:
جَنَى الضَّغَائِنَ آَبَاءٌ لَنَا سَلَفُوا 
فَلَنْ تَبِيدَ وَلِلآَبَاءِ أَبْنَاءُ 
مفهوم الحسد: والحسد هو أن يتمنى الإنسان زوال نعمة أنعمها الله على غيره، ومردُّه إلى الحقد، والشر، وسوء الطبع؛ ومن أجل ذلك أمرَنا الله بالاستعاذة منه ومن أهله؛ ﴿ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ [الفلق: 5]، وهو من الكفر بالله؛ لأن صاحبه أساء الظن بربه، على نحو ما فسَّره "منصور الفقيه"، الذي روى صاحب كتاب "محاضرات الأدباء" قوله:
أَلاَ قُلْ لِمَنْ كَانَ لِي حَاسِدًا 
أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْتَ الأَدَبْ 
أَسَأْتَ عَلَى اللَّهِ فِي حُكْمِهِ 
لأَنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِي مَا وَهَبْ 
 
وزاد بعضهم:
فَكَانَ جَزَاؤُكَ أَنْ زَادَنِي 
وَسَدَّ عَلَيْكَ وُجُوهَ الطَّلَبْ 
 
وهذا النوع من الحسد مذموم، وقد أمرنا الله بمقاومته في نفوسنا.
 
الحسد والغبطة: وهناك لون من الحسد، هو ما يسمى الغبطة، وهي أن تتمنى مثل حال صاحبك؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: ((المؤمن يغبط، والمنافق يحسد))، وعليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلِّمها))؛ رواه البخاري، وله عدة ألفاظ في الصحيحين.
 
ولأن الحسد يكاد يكون طبيعة في ابن آدم؛ وضع النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - له أنواعًا من العلاج، أهمها عدم البغي، فقد ورد عن النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - فيما يرويه يوسف بن محمد بن عبدالبر النمري في كتابه السابق، أنه قال: ((ثلاثة لا يكاد يسلم منهن أحد: الطيرة، والحسد، والظن))، قيل: فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: ((إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغِ، وإذا ظننت فلا تحقق)).
 
مبعث الحسد: ومبعث الحسد في النفس ما ركِّب فيها من حب الغني، والسيطرة، والأثرة، وحب التملك، والرغبة في الاستعلاء، فإذا ما وجدت مَن يفوقها في ذلك، استطار شرُّها، وعلى ذلك، فإن النعم التي يُفِيئها الله على عباده، من الأسباب التي تثير الحسد في النفوس، حتى ورد الأثر الكريم: ((كل ذي نعمة محسود))، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "ما كانت على أحد نعمة، إلا كان لها حاسد، ولو كان الرجل أقوم من القدح، لوجد له غامزًا".
 
وعلى الرغم من أن الإنسان قد نُهِي عن الحسد، وأُمر أن يقوِّم نفسه بالجهاد؛ حتى لا تقع في هذا الداء الوبيل، وشره المستطير، إلا أننا نجد هذا الداء مستشريًا، حتى بين العلماء أنفسهم، الذين نصبوا أدلةً على الهدى، ومعالِمَ للتقوى، وأمثلة صالحة للإيثار والتواضع، ولو حسد جاهلٌ عالمًا، لهان الأمر؛ لأن الناس أعداء ما جهلوا - كما يقولون - وقد أجاد الشاعر الحكيم تقرير ذلك، حين قال:
حَسَدُوا الفَتَى إِذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ 
فَالقَوْمُ أَعْدَاءٌ لَهُ وَخُصُومُ 
كَضَرَائِرِ الحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا 
حَسَدًا وَبُغْضًا إِنَّهُ لَدَمِيمُ 
 
أما أن يحسد عالمٌ عالمًا، فذلك هو العجب، ومرده - كما أسلفت القول - إلى ما ركِّب في الطبع من ذلك الداء الوبيل، الذي لا يكاد يسلم منه أحد، إلا مَن عصم الله، ووفَّقه في أن يتغلب عليه بمجاهدة النفس، وحملها على الاعتدال والكفِّ عن البغي.
 
ولأن تحاسد العلماء فيما بينهم قد اشتهر أمره، وجرت به أقلام المؤرخين، ووعته بطون الصحف؛ وردَتِ الحكمة التي رواها الراغب الأصفهاني في كتابه "محاضرات الأدباء": "هلاك العلماء بحسدهم"، ولعله يقصد أن الحسد بينهم يؤدي إلى أن يكيد بعضهم لبعض، أو يؤدي إلى غلبة الانفعال المفرط، الذي يثير جيشان الدم الذي يقتل صاحبه؛ إما فرحًا أو غمًّا، كما حدث ذلك بالنسبة لسيبويهِ، الذي تناظر مع الكسائي في مجلس الرشيد، فخذل ظلمًا، فمات كمدًا وحزنًا، وسيأتي ذكر هذه القصة - إنَّ شاء الله تعالى.
 
وبسبب ذلك الحسد، الذي يؤدي إلى ركوب البواطل أحيانًا؛ لأنه يرغب في الانتصار للنفس، لا للحق؛ قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لا تقبلوا قول العلماء بعضهم على بعض؛ فإنهم يتغايرون.
 
وقد تكون الغَيْرة غير الحسد، ولكنها فرع منه على أي حال، فالغيرة تدفع إلى التنافس وطلب الكمال، كما تؤدي إلى صون العلم عن غير أهله والمحافظة عليه من الابتذال، ولعل هذه الغيرة هي المعنية في قول الأشج: إني لأغار على الحديث كما يُغار على الجارية الحسناء.
 
أمثلة من تحاسد العلماء:
ومما يروى في ذلك: ما يحدِّث به الرواة في كتبهم، مما كان يدور في مجالس الخلفاء والأمراء بين العلماء من مناظرات، يثيرها التحاسد وتثيره، وقد يؤدي ذلك إلى ذهاب التحفظ، ويدفع إلى الخفة، التي تستوجبها حلاوة الظفر، أو الغم الذي يستجلبه الخذلان.
 
حدَّث الحريري في كتابه "درة الغواص" قائلاً:
جمع الرشيد بين أبي الحسن الكسائي وأبي محمد اليزيدي؛ ليتناظرا عنده، وقد علم اليزيدي أنه يقصر عن الكسائي في النحو، فابتدره في اللغة قائلاً: كيف تقول: تمرة مذنِّبة - بكسر النون المشددة - أو مذنَّبة - بفتح النون؟
فلم يأبه الكسائي لقوله؛ بل ظن أنه قال: بُسْرَة، فقال: أقول: مذنبة بكسر النون، فقال: إذا كان ماذا؟ قال: إذا بدا الإرطاب من أسفلها.
 
فضرب اليزيدي بقَلَنْسُوَتِه الأرض، وقال: أنا أبو محمد اليزيدي، وقد أخطأت يا شيخ، التمرة لا تذنب، وإنما البسرة تذنب.
 
فغضب عليه الرشيد وقال: أتكتني بمجلسي، وتسفِّه على الشيخ؟! والله إنَّ خطأ الكسائي وحسن أدبه أحَبُّ إليَّ من صوابك مع قبح أدبك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ حلاوة الظفر أذهبت عني التحفظ، فأمر بإخراجه.
 
فحرص اليزيدي على الظفر؛ حسدًا للكسائي، الذي كانت له منزلة في بلاط الرشيد، جعله يبادر بالسؤال في ميدان آخر غير ميدان النحو، ولا يلقي بالسؤال صريحًا؛ حتى يموِّه الأمر على المسؤول، ولكنه على كلٍّ نال جزاءه من الرشيد.
 
ويبدو أن أبا محمد اليزيدي كان مولعًا بإظهار علمه بين يدي الخلفاء والأمراء، فقد حكى صاحب "مهذب الأغاني" في الجزء الثامن في ترجمته، هذه القصةَ:
قال أبو محمد اليزيدي: كنا مع المهدي قبل أن يُستخلف بأربعة أشهر، وعنده شيبة بن الوليد العبسي، فجمع بيننا مجلس، وفيه الكسائي.
 
ودارت المناظرة حول النَّسَب إلى كلمتي: البحرين والحصنين، حيث قالوا في النسب إلى البحرين: بحراني، وفي النسب إلى الحصنين: حصني، ولم يقولوا: حصناني.
 
فقال اليزيدي: لو أنهم نسبوا إلى البحرين، فقالوا: بحري، لم يُعرف أإلى البحرين نسبوا أم إلى البحر؟ ولكنهم حين نسبوا إلى الحصنين، لم يكن هناك موضع آخر يقال له الحصن، فقالوا: حصني.
 
قال الكسائي: لما نسبوا إلى الحصنين كانت فيه نونان، فقالوا: حصني؛ اجتزاء بإحدى النونين عن الأخرى، ولم يكن في البحرين إلا نون واحدة، فقالوا: بحراني.
قال اليزيدي: فكيف تنسب إلى بني جنان؟ فإنه يلزم على ذلك أن تقول: جني، ولكنهم قالوا: جنائي، فسكت الكسائي.
 
ثم تناظرا في ضبط كلمة "خيرهم" في هذه العبارة: "إنَّ من خير القوم أو خيرهم بتة زيدٌ"، فضبطها الكسائي بالرفع، وعلَّل شيبةُ - الذي كان حاضرًا المجلس - ذلك بأن "أو" بمعنى "بل"، ولكن اليزيدي خطَّأهما، وقال: بل هي بالنصب، كما ورد في قول الشاعر:
يَا أَيُّهَا السَّائِلِي لأُخْبِرَهُ 
عَمَّنْ بِصَنْعَاءَ مِنْ ذَوِي الحَسَبِ 
حِمْيَرُ سَادَتُهَا تُقِرُّ لَهَا 
بِالفَضْلِ طُرًّا جَحَاجِحُ العَرَبِ 
وَإِنَّ مِنْ خَيْرِهِمْ وَأَكْرَمِهِمْ 
أَوْ خَيْرَهُمْ بَتَّةً أَبُو كَرِبِ 
 
وعلة النصب تقدير إعادة إنَّ.
 
واستشهدوا بفصيح من فصحاء العرب، فوافق على ذلك، فاستفز اليزيديَّ السرورُ، حتى ضرب الأرض بقلنسوته، وقال: أنا أبو محمد!

فقال شيبة: أتكتني بحضرة الأمير؟ فقال المهدي: والله ما أراد بذلك مكروهًا، ولكنه فعل ما فعل للظفر، وقد - لعمري - ظفر.
 
فقال اليزيدي: إنَّ الله - عز وجل - أنطقك بما أنت أهله، وأنطق غيرك بما هو أهله، فلما خرجوا قال شيبة: أتخطِّئني بين يدي الأمير؟! أما لتعلمن.
 
قال اليزيدي: قد سمعتُ ما قلتَ، وأرجو أن تجد غبَّها – عاقبتها - ثم كتب اليزيدي رقاعًا فيها أبيات من الشعر تهجو شيبة، لم تلبث أن ذاعت في الناس.
 
وهذا هو الجانب غير المحمود في القصة، وهو أن يؤدي التغاير والتحاسد إلى التهاجي، والتناظر في العلم أمر طيب، ولكن ينبغي أن يكون منصرفًا إلى التعليم، وبيان وجه الحق، لا إلى الانتقاص من أقدار الناس، والكسائي لم يخطئ في ضبطه، ولكن الحسد يفعل الكثير.
 
ويذكر الدميري في "حياة الحيوان" أن المناظرة بين الكسائي واليزيدي في مجلس الرشيد، كانت بسبب آخر غير ما ذكر، وهو أن اليزيدي سأل الكسائي عن إعراب كلمة "مهر" في آخر البيتين الآتيين:
مَا رَأَيْنَا قَطُّ خَرْبًا 
نقر عَنْهُ البَيْضَ صَقْرْ 
لاَ يَكُونُ العَيْرُ مُهْرًا 
لاَ يَكُونُ المُهْرُ مُهْرْ 
 
- الخرب: نوع من الطيور – العير: الحمار.
 
فقال الكسائي: يجب أن يكون "المهرُ" منصوبًا، على أنه خبر يكون، ففي البيت إقواء
فقال اليزيدي: الشعر صواب؛ لأن الكلام قد تمَّ عند قوله: لا يكون، ثم استأنف فقال: "المهرُ مهرُ".
 
والنتيجة التي توصلنا إليها من الحوار على كلٍّ لا تختلف.
 
بين الكسائي والمفضل الضبي:
وذكر السيوطي في كتاب "المزهر" ما نقله عن الزجاجي في "أماليه"، قال: أخبرنا أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: قال المفضل الضبي: وجه إليَّ الرشيد، فما علمت إلا والرسل تطلبني، فخرجت حتى صرت إليه وهو متكئ، ومحمد بن زبيدة عن يساره، والمأمون عن يمينه، فسلمت عليه، فأومأ إليَّ بالجلوس، فجلستُ، فقال: يا مفضل، "كم" في: ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّه ﴾ [البقرة: 137] مِن اسمٍ؟ فقلت: الياء لله - عز وجل - والكاف الثانية لرسول الله - صلَّى الله عليه وسَلَّم - والهاء والميم والواو للكفار، قال: صدقتَ، كذا أفادنا هذا الشيخ – يعني: الكسائي - وهو جالس.
 
ثم قال: فهمتَ يا محمد؟ قال: نعم، قال: أعدِ المسألة، فأعادها كما قال المفضل، ثم التفت، فقال: يا مفضل، عندك مسألة تسأل عنها؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين، قول الفرزدق:
أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ 
لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوَالِعُ 
 
قال: هيهات! قد أفادنا هذا متقدمًا قبلك هذا الشيخُ، لنا قمراها، يعني: الشمس والقمر، كما قالوا: سُنَّة العُمرين، يريدون: أبا بكر وعمر، قلت: زيادة يا أمير المؤمنين في السؤال، قال: زد،
 
قلت: فلِمَ استحسنوا هذا؟ قال: لأنه إذا اجتمع اسمان من جنس واحد، وكان أحدهما أخفَّ على أفواه القائلين، غلَّبوه، فسمَّوا الأخير باسمه.
 
قلت: بقيت مسألة أخرى، فالتفتَ إليَّ الكسائيُّ وقال: أفي غير ما قلت؟ قلت: بقية الفائدة التي أجراها الشاعر المفتخر في شعره، قال: وما هي؟ قلت: أراد بالشمس إبراهيم - عليه السلام - خليل الرحمن، وبالقمر محمدًا - صلَّى الله عليه وسَلَّم - وبالنجوم الخلفاء الراشدين من آبائك الصالحين، فاشرأبَّ أمير المؤمنين، وقال للفضل بن الربيع: احمل إليه مائة ألف درهم، ومائة ألف درهم لقضاء دَينه.
 
فما حمل المفضلَ على الاستزادة في الحديث، إلا وجودُ الكسائي، ورغبة في إظهار منزلته، وكثرة علمه، في مجلس فيه غيره من العلماء.
 
الكسائي وسيبويه:
وقد يؤدي هذا التحاسد إلى التزوير وتعمية الحقائق، ولعل أقدم ما يدل على ذلك في دنيا العلماء، ما دار في مجلس الرشيد بين سيبويه والكسائي، فيما يحكيه ابن خلكان في "وفيَاته"، قال: ورَدَ سيبويهِ إلى بغداد من البصرة، والكسائيُّ يعلِّم الأمين، فجمع هارون بينهما، وتناظرا في قول القائل: كنتُ أظن أن الزنبور أشدُّ لسعًا من النحلة، فإذا هو هي، أو إياها؟
 
قال الكسائي: إياها، وقال سيبويه: هي.
 
وأصرَّ كلٌّ على رأيه، حتى اتَّفقا على مراجعة عربي خالص، لا يشوب كلامَه شيءٌ من كلام أهل الحضر.
 
وكان الأمين شديدَ العناية بالكسائي؛ لكونه معلمَه، فاستدعى عربيًّا وسأله، فقال كما قال سيبويه، فقال له الأمين: نريد أن تقول كما قال الكسائي، فقال: إن لساني لا يطاوعني على ذلك، فإنه ما يسبق إلا الصواب، فقرروا معه أن شخصًا يقول: قال سيبويه كذا، وقال الكسائي كذا، فالصواب مع من منهما؟ فيقول العربي: الصواب مع الكسائي، فقال: هذا يمكن، وتم ما أرادوا.
 
فعلم سيبويه أنهم تحاملوا عليه، وتعصبوا مع الكسائي ضده، فخرج من بغداد مغمومًا، وقد حمل في نفسه لما جرى عليه.
 
وهكذا ضاع الحق، وما أشقَّ ذلك على نفس الحر! ولا سيما إذا كان صاحب السلطان ضالعًا في ضياعه.
 
بين الأصمعي والجرمي:
وجاء في "درة الغواص" للحريري أيضًا، قال: لما شخص أبو عمرو الجرمي إلى بغداد، ثقل موضعه على الأصمعي؛ إشفاقًا من أن يصرف وجوهَ أهلها عنه، ويصير السوق له، فأعمل الفكر فيما يغضُّ منه، فلم يرَ إلا أن يرهقه فيما يسأل عنه، فأتاه في حلقته وقال له: كيف تنشد قول الشاعر:
قَدْ كُنَّ يَخْبَأْنَ الوُجُوهَ تَسَتُّرًا 
فَاليَوْمَ حِينَ بَدَأْنَ لِلنُّظَّارِ 
أو: حِينَ بَدَيْنَ؟
 
فقال له: بدأن، قال: أخطأت، فقال: بدين، قال: غلطت، إنما هو (بَدَوْنَ)؛ أي: ظهرن، فأسرَّها أبو عمرو في نفسه، وفطن لما قصده، واستأنى به، إلى أن تصدر الأصمعي في حلقته، واحتف الجمع به، فوقف وقال له: كيف تقول في تصغير مختار؟ قال: مخيتير، قال: أنفتُ لك من هذا القول، أما تعلم أن اشتقاقه من الخير، وأن التاء فيه زائدة؟ ولم يزل يندد به، إلى أن انفض الناس من حوله.
 
وكما كان هناك تحاسد بين الأصمعي والجرمي، كان هناك تحاسد أشد بين الأصمعي وأبي عبيدة، بسطت الكتب الأدبية ألوانًا منه.
 
وكان هناك تنافس أثاره التحاسدُ بين المبرد وثعلب، حتى صار التباعد بينهما والتنافرُ مضربَ مثل، من ذلك ما ورد في كتابنا "المبرد أديب النحاة": روى ياقوت أنه قد كان بين المبرد وثعلب ما يكون بين المعاصرين من المنافرة، واشتهر ذلك حتى صار مضرب الأمثال، وحتى قال بعضهم ممثلاً بعسر اللقاء بين هذين العالمين:
كَفَى حَزَنًا أَنَّا جَمِيعًا بِبَلْدَةٍ 
وَيَجْمَعُنَا فِي أَرْضِهَا شَرُّ مَشْهَدِ 
وَكَلٌّ لِكُلٍّ مُخْلِصُ الوُدِّ وَامِقٌ 
وَلَكِنَّهُ فِي جَانِبٍ عَنْهُ مُفْرَدِ 
نَرُوحُ وَنَغْدُو لاَ تَزَاوُرَ بَيْنَنَا 
وَلَيْسَ بِمَضْرُوبٍ لَنَا يَوْمُ مَوْعِدِ 
فَأَبْدَانُنَا فِي بَلْدَةٍ وَالْتِقَاؤُنَا 
عَسِيرٌ كَلُقْيَا ثَعْلَبٍ وَالمُبَرِّدِ 
وبين الشعراء:
وإذا كان العلماء يتحاسدون لما فضَّل الله به بعضهم على بعض في العلم، وهذا التفاضل يؤدي إلى ازدياد قرب الفاضل إلى الخليفة، وارتفاع قدره بين الناس، خاصتهم وعامتهم، كما يؤدي إلى إغداق العطايا عليه، فإن الشعراء - لما يحرزون من أموال الخلفاء والأمراء - يكونون أشدَّ تحاسدًا وتباغضًا.
 
جاء في "الأمالي"، الجزء الأول: امتدح أبو العتاهية عمر بن العلاء، فأمر له بسبعين ألف درهم، وأمر مَن حضره مِن خَدَمِه وغلمانه أن يخلعوا عليه، فخلعوا عليه، حتى لم يقدر على القيام لما عليه من الثياب، ثم إنَّ جماعة من الشعراء كانوا بباب عمر، فقال بعضهم لبعض: يا عجبًا للأمير، يعطي أبا العتاهية سبعين ألف درهم! فبلغ ذلك عمرَ فقال: عليَّ بهم، وأُدخلوا عليه، فقال: ما أحسدَ بعضَكم لبعض يا معشر الشعراء! إنَّ أحدكم يأتينا يريد مدحنا، فيشبب في قصيدته بصديقته بخمسين بيتًا، فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه، ورونق شعره، وقد أتانا أبو العتاهية فشبب ببيتين، ثم قال فينا ما قال، وذكر أبيات مدحه فيه.
 
تباهي العالم وخيلاؤه:
ويتصل بتحاسد العلماء ما يدخل في نفوسهم من عزة العلم وخُيَلائه، حتى يخرجه ذلك عن حد الوقار والسكينة، فإن العلم يُطغي كما يُطغي المال، وإذا بلغ العالم في فنه حدًّا كبيرًا، ولم يكن إلى جانب ذلك تواضعٌ يَزِينه، وتقوى تعصمه - طغى وتكبَّر، وربما دفعه ذلك إلى الجهل، حيث يكبر عليه أن يُسأل عن شيء يجهله فلا يجيب، فيفتي بغير علم، وتلك من كبائر العلماء.
 
ومن خيلاء العلماء ما حدَّث به الشريش في شرح مقامات الحريري: قال مقاتل بن سليمان يومًا، وقد دخلتْه أبهةُ العلم: سلوني عما تحت العرش إلى أسفل الثرى، فقال له رجل: ما نسألك عن شيء من ذلك، إنما نسألك عما معك من الأرض، أخبرْني عن كلب أهل الكهف، ما كان لونه؟ فأفحمه.
 
ولما شهرت تآليف ابن قتيبة، ولحظ بعين العالم المتفنن، صعد المنبر وقد غص الحفل، واعتلى على علماء وقته، مع فضل جاه اشتمل به من السلطان، فقال: ليسألني مَن شاء عما شاء، فقام إليه أحد الأغفال فقال له: ما الفتيل والقطمير؟ فلم يحر جوابًا وأفحم، ونزل خجلاً، وانصرف إلى منزله كسلاً، فلما نظر إلى اللفظتين، وجد نفسه أذكر الناس بهما، وهذا من عقاب العجب بالنفس.
 
وقال قتادة: ما سمعت شيئًا إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا فنسيته، ثم قال: يا غلام، هات نعلي، فقال له الغلام: هما في رجليك.
 
وإذا كان الحسد داء في قلب العالم، فالكبر داء أكبر، وقد قيل: لكل شيء في الورى آفة، وآفة المرء من الكبر.
 
وإذا كانت هذه أمثلة جرت لبعض ما كان يحدث بين أهل العلم، فإن في المقابل لها أمثلة تدل على إيثار كريم، ومروءة نادرة، وتواضع جمٍّ، ومعرفة كبيرة بأقدار الناس، يكفي في الدلالة على ذلك علاقة الأئمة الأربعة فيمن التقى منهم بعضهم ببعض، وتقاريظ غيرهم لهم - رضي الله عنهم وأرضاهم.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
التحاسد بين العلماء
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الفتن  :: المنتديات الاسلامية :: المنتديات الاسلامية :: السحر والمس والحسد-
لوحة الشرف لشهر نوفمبر 2016
153 عدد المساهمات
75 عدد المساهمات
62 عدد المساهمات
35 عدد المساهمات
16 عدد المساهمات
4 عدد المساهمات
3 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
1 مُساهمة
جميع الحقوق محفوظة
جميع الحقوق محفوظة لـكل مسلم
منتديات الفتن® www.alfetn.org
حقوق الطبع والنشر © 2016

منتدى الفتن