منتدى اسلامي عام لأهل السنة والجماعة ويبحث في الفتن الحالية والمستقبلية وظهور المهدي وتحفيظ القرآن الكريم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
                                                                                               
                                                                                                                                                                                             
                                
   
 
                                                                                                                                                                                                                                                                                                          

شاطر|

مـا هـو النقيـض المـادي والنقيـض المعنـوي .. ؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل
كاتب الموضوعرسالة
الجنة دار القرار
عضو نشيط
عضو نشيط


الجنس : ذكر

عدد المساهمات : 278


المشاركة رقم 1 موضوع: مـا هـو النقيـض المـادي والنقيـض المعنـوي .. ؟ الأربعاء 23 أكتوبر 2013, 2:46 am

 في مفهوم النقيض 
عندما نقول إن الرأسمالية الإمبريالية العولمية الأمريكية المعاصرة قد أفرزت نقيضها على صورتها، وهي عبارة استعملناها في مقالات سابقة، فنحن نعبر، بصورة مختصرة مختزلة، عن واقع عالمي ومحلي متعدد المكونات متشابك العلاقات. إن الصورة المشخصة التي قد توحي بها هذه العبارة، والتي تختزل الموضوع برمته في رجل اسمه بوش من جهة وابن لادن من جهة، صورة مغرية لأنها مبسطة إلى الحد الذي يريح الذهن! هذا في حين أنها صورة خطيرة على عملية إدراك حقيقة الواقع خطورة الشجرة التي تخفي الغابة. ومهمتنا في هذا المقال بيان ذلك بقدر ما يسمح به المجال.



لنبدأ بلفظ النقيض. في اللغة العادية يفيد معنى الضد، فالسواد نقيض البياض أو ضده. ومع أنه لا يوجد بياض مطلق ولا سواد مطلق لأن العلاقات في أشياء العالم الطبيعي علاقات نسبية -الطويل هو دائما أقصر من شيء وأطول من آخر الخ- فإن الفهم العادي يتصور النقيضين كضدين من جميع الأوجه، لا ينتهيان إلى شيء مشترك.



ليس هذا هو المقصود بلفظ النقيض في لغة المنهج الجدلي (الديالكتيك) الذي ينظر إلى الأشياء لا من خلال انفصالها عن بعضها انفصالا مطلقا، بل من خلال ارتباط بعضها مع بعض بعلاقات جدلية، علاقات تنتهي بالنقيضين إلى شيء ثالث يتجاوزهما وفي نفس الوقت يحتفظ بشيء منهما. والمهم في مجال العلاقات الجدلية هو أن نتاج النقيضين يمثل دائما تقدما بالنسبة إلى الطرفين الذين يدين بالوجود لهما. وهذا هو معنى التجاوز، ويعبر عنه أحيانا بــ التركيب، وفي اللغة الجدلية الفلسفية يسمى نفي النفي. فنحن ننطلق في تعاملنا مع الأشياء من إثبات صفة أو حكم لها، وأول ما نثبته للأشياء عند كلامنا عنها هو الوجود ونقيضه العدم، وهو نفي الوجود. والناتج من دخول الوجود والعدم في علاقات جدلية، هو نفي النفي : نفي نفي الوجود (أو نفي العدم). فإذا أثبنا الوجود بإطلاق (ليس وجود هذا الشيء أو ذاك بل الوجود كمعطى مطلق) ونفيناه، ثم نفينا هذا النفي، فإن الناتج يكون شيئا آخر نسميه الصيرورة. ولهذا نقول إن ما هو موجود ليس الوجود وحده، ولا نقيضه العدم وحده، بل التحول المستمر من وجود إلى عدم ومن عدم إلى وجود وهذا التحول المستمر هو ما نسميه بـ الصيرورة. ومن هنا جاز القول إن العالم كله ظواهر تحكمها الصيرورة، فهو كالنهر لا تستطيع أن تستحم فيه مرتين، فماؤه ينساب باستمرار (كما قال الفيلسوف اليوناني هيراقليطس). 



هذا التغير المستمر الذي يطبع العالم لا يتم، من وجهة نظر المنطق الجدلي، بصورة تكرارية: فالتحول من النفي إلى نفي النفي لا يعيدنا إلى الإثبات السابق كما وكيفا، بل يعطينا إثباتا جديدا متقدما على الأول، وهذا يعطينا نفيا متقدما عن سابقه يتلوه نفي نفي جديد، وبهذه الطريقة يحصل التقدم أعني الانتقال من وضع أدنى إلى وضع أعلى…



ذلك هو مفهوم النقيض ونفي النفي في المنطق الجدلي كما شيده الفيلسوف الألماني هيجل وساح به في عالم الفكر، ثم تبناه أحد تلاميذه كارل ماركس وطبقه على عالم التاريخ والمجتمع، ليستنتج : أن التاريخ والمجتمعات في تغير دائم، وأن هذا التغير هو عبارة عن صراع الطبقات، وأن هذا الصراع سينتهي بانتصار النقيض الذي أفرزته الطبقة البرجوازية السائدة في عصره، وهو الطبقة العاملة، الشيء الذي سيؤدي إلى زوال الطبقات واختفاء الدولة التي ارتبط وجودها بوجود الطبقات… وبذلك يبدأ تاريخ آخر خال من الصراع، تاريخ تسود فيه العدالة والمساواة والتشارك في الثروات، وذلك عنده هو معنى الشيوعية. 



كان هذا النمط من التحليل مثيرا، وفي نفس الوقت يشيع الأمل والحماس والثقة بالمستقبل في نفوس العمال الكادحين وجميع المستضعفين. ومع ذلك فإنه لم يخل من ثغرات لكونه اعتمد أساسا على معطيات تاريخ أوربا وبالخصوص منه القرن التاسع عشر. ومع أن معطيات من التاريخ كانت تؤيد بصورة عامة اتجاه هذا التحليل الماركسي فإن نشاط الأبحاث الاجتماعية والأنثروبولوجية قد أظهر في الوقت نفسه وجود مجتمعات خالية أو تكاد من الطبقات، وهي التي أطلق عليها منذ ذلك الوقت اسم المجتمعات البدائية (مقارنة بالمجتمع الأوربي آنذاك). 



لقد تبين منذ ذلك الوقت أن هذه الثلاثية السحرية الهيجلية (الإثبات والنفي ونفي النفي) لا تنطبق على هذه المجتمعات التي بقي النفي فيها لا يرقى إلى نفي النفي، ولذلك بقيت كما هي منذ غابر الأزمنة إلى اليوم، تجتر واقعها الذي لم يرق الصراع فيه عن مرتبة الصراع القبلي الذي يدور في حلقة مغلقة محورها: الثأر، والثأر المضاد… 



ومع أن مفهوم الشعوب البدائية يحيل أصلا إلى الأهالي في استراليا (الأبوريجان) وقبائل الهنود الحمر والإسكيمو في أمريكا الخ، فإن ظاهرة اجترار الصراع الذي لا يتم فيه تجاوز نفي النفي لم تكن، ولا هي الآن، مقصورة على تلك الشعوب. هناك أماكن أخرى، لم تكن تدخل في اعتبار علماء الاجتماع الأوروبيين، بقيت هي الأخرى سجينة الإثبات والنفي (بدون نفي النفي، منها القبائل التي كان موطنها ولا يزال في قلب جزيرة العرب. لقد ساهمت هذه القبائل بدون شك في انتشار الإسلام وقيام دولته التي كانت عربية الأصل والطابع، في القرون الأولى من تاريخ الإسلام. لكن نمط حياتها لم يتغير إذ بقي فيها الصراع القبلي المغلق (بدون تجاوز، بدون تقدم) هو السائد. وهذا ما لاحظه ابن خلدون، في القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، حين كتب يقول إن العرب، ويقصد قبائل وسط الجزيرة العربية، انقطعت الدولة منهم ورجعوا إلى قفرهم … فتوحشوا كما كانوا. ذلك لأن الصراع القبلي الذي طبع حياتهم كان يدور بهم في حلقة مغلقة: الثأر والثأر المضاد.



ولم تكن حال القبائل البدائية وحال القبائل العربية وما في معناها (القبائل التركية والتركمانية الخ) هما وحدهما الثغرة التي شوشت منذ البداية على التطبيق الماركسي لجدل هيجل على التاريخ والمجتمع. فمنذ وفاة ماركس والأصوات ترتفع في أوروبا نفسها منادية الماركسية في حاجة إلى ماركس جديد، وهذا لأن التطورات التي بدأ يشهدها العالم منذ أواخر القرن التاسع عشر قد أخذت في الاتساع لتخرج بالتالي عن الصف الذي وضعها فيه الجدل الهيجلي الماركسي. ثم تحول الأمر إلى أزمة عندما ظهر إلى الوجود منذ الخمسينات من القرن الماضي، ما سمي بـ البلدان المتخلفة وهي البلدان المستقلة حديثا بعدما عانت من الاستعمار. لقد استعصت أوضاع هذه البلدان على التحديدات الجدلية الهيجلية الماركسية، تماما مثلما أخذت التطورات التي كان يراكمها النظام الرأسمالي تشوش بقوة على تحليل ماركس للرأسمال، وهو التحليل الذي كان من الشمولية والدقة بصورة أثارت إعجاب خصومه قبل أشياعه. 



وإلى جانب هذه الثغرات، التي زعزعت أوصال التحليل الماركسي للمجتمع والتاريخ، ظهرت على صعيد الفكر الفلسفي محاولات جادة لإعادة النظر في مفهوم الجدل نفسه، وبالتحديد في مفهوم نفي النفي. ولعل أشهر وأهم محاولة في الموضوع تلك التي قام بها تيودور أدورنو في كتابه الديالكتيك السلبي (1966). لقد جرت العادة منذ أفلاطون إلى ماركس على النظر إلى الجدل على أنه منهج متحرك يسير بالفكر نحو آفاق جديدة. ولما قنن هيجل هذا المنهج ضمن ثلاثية الإثبات والنفي ونفي النفي أكد هو نفسه، ومن بعده ماركس، تأكيدا خاصا على أهمية لحظة نفي النفي، أو التركيب، بوصفها لحظة إيجابية تتجاوز التناقض بين الإثبات والنفي إلى لحظة أعلى هي عبارة عن نفي للنفي ينتج إثباتا جديدا وهكذا…



إن مفهوم الجدل السلبي يشكك في تجاوز لحظة الإثبات-النفي إلى لحظة نفي النفي، وبالتالي يبقي الأفق رهين الضبابية، أو على الأقل غير قابل للتحديد الإيجابي دائما. ومع أن أدورنو قد خاض في الموضوع في إطار فلسفي تجريدي فإن مفهوم الجدل السلبي كان –ولا يزال- يجد سنده وتبريره في التطورات التي عرفها العالم في القرن العشرين على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والفكري. ومع أن أدورنو لم يجزم بـنهاية نفي النفي فإن المتفلسف المؤدلج فوكوياما لم يتردد في القفز بصورة هوليودية إلى ما أسماه :نهاية التاريخ، وهي عبارة قصد بها نهاية نفي النفي، نهاية الصيرورة كتقدم …



***



وبعد، فقد اضطررت إلى هذه الاستطراد لأتمكن من التأطير النظري الضروري لموضوع هذا المقال، الموضوع الذي تلخصه العبارة التي انطلقنا منها، والتي تؤكد أن الرأسمالية الإمبريالية العولمية الأمريكية المعاصرة قد أفرزت نقيضها على صورتها. إن المعطى الذي تقدمه هذه العولمة الإمبريالية كـ رؤية تمثل كينونتها هو اللانظام أو اللانسق antisystem، أما المنهج الذي تحاول به إثبات رؤيتها وتأكيد صحتها فهو ما تسميه بـالسياسة الواقعية Realpolitik، وقوامها الأخذ بعين الاعتبار لحظة الحاضر وحدها، وكيفية تجلي المصلحة فيها. فلا اعتبار لا للأسباب ولا للنتائج ما دامت القوة كفيلة بـتغيير الحاضر. وهذا ما يؤسس ما تقوم به من  إرهاب للعالم بالقوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية من أجل أن يستسلم لها بوصفها إمبراطورية الحرية. وكما بينا في مقال سابق فقد أفرزت هذه العولمة نقيضا داخليا وآخر خارجيا: الحركات المناهضة للعولمة في أوروبا وأمريكا خاصة، كنقيض داخلي من جهة، وما يسمى اليوم بـ الإرهاب الدولي ممثلا في ابن لادن وتنظيم القاعدة، كنقيض خارجي من جهة أخرى. 



والسؤال الذي طرحناه في نهاية المقال السابق، والذي قلنا عنه إنه سؤال فيه نظر، وعبرنا عنه بهذه الصيغة : هل يستطيع النقيض (الخارجي) الذي أفرزته –تلك العولمة الإمبريالية الأمريكية- إلحاق الهزيمة بها كما ألحق الهزيمة في أفغانستان بإمبراطورية الاتحاد السوفيتي، إن هذا السؤال يجب الآن تعميمه وتطبيقه على النقيض الداخلي أيضا، أعني الحركات الاحتجاجية المناهضة للعولمة. 



إن هناك الآن صراعا محتدما بين العولمة الإمبريالية الأمريكية وبين ما أنتجته كنقيض لها (صراع يجد اليوم نموذجه المصغر في فلسطين: إسرائيل والمقاومة)، فكيف نصنف هذا الصراع: هل هو محكوم بـ الجدل السلبي أم بما كان يسمى بـ منطق التاريخ (كما قننه هيجل وماركس)، أم أنه يحتاج إلى نوع آخر من التحديد؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مـا هـو النقيـض المـادي والنقيـض المعنـوي .. ؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الفتن  :: منتديات الاخبار :: الاخبار العالمية-
لوحة الشرف لشهر نوفمبر 2016
279 عدد المساهمات
275 عدد المساهمات
100 عدد المساهمات
68 عدد المساهمات
32 عدد المساهمات
10 عدد المساهمات
7 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
جميع الحقوق محفوظة
جميع الحقوق محفوظة لـكل مسلم
منتديات الفتن® www.alfetn.org
حقوق الطبع والنشر © 2016

منتدى الفتن