منتدى الفتن

منتدى اسلامي عام لأهل السنة والجماعة ويبحث في الفتن الحالية والمستقبلية وظهور المهدي وتحفيظ القرآن الكريم
 
الرئيسيةالتسجيلدخول


شاطر|

أخطاءٌ لغويَّـة في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل
كاتب الموضوعرسالة
الجنة دار السعادة
كبار الشخصيات ومستشارة لشئون الادارة
كبار الشخصيات ومستشارة لشئون الادارة


الجنس : انثى

عدد المساهمات : 55097



المشاركة رقم 1 موضوع: أخطاءٌ لغويَّـة في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة الأحد 21 يوليو 2013, 10:48 am

أيمن بن أحمد ذو الغنى
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

أجمع العربُ قديمًا وحديثًا على أن النبيَّ  أفصحُ من نطق بالضَّاد، وأنه أُوتيَ جوامعَ الكَلِم، وأن كلامَه أبلغُ كلامٍ بعد كلام الله المعجِز؛ القرآن الكريم.

ومن هنا كانت سنَّته القَوليَّة مصدرًا رئيسًا من مصادر العربيَّة، وميزانًا دقيقًا للفَصيح من القَول، ومثالاً يُحْتَذى لطالب البيان وناشِد التبيين.

وإن تعجَبْ فعَجَبٌ أن يتطرَّقَ اللحنُ والخَطَلُ إلى أحاديثِ النبيِّ ، على ألسنتنا وأقلامنا؛ لأنها - على ما ألْمَعْنا - ميزانٌ، وإذا اختلَّ الميزان وقعَ من الفساد ما يَهول. فالحِرصُ على أداء ألفاظ السنَّة النبويَّة على الوَجْه الصحيح الذي انتهَت به إلينا واجبٌ شرعيٌّ وعلميٌّ، لا يُقبَل التهاونُ به بحال.

ومما يلحَنون فيه - كتابةً ونُطقًا - من حديث النبيِّ :

قولُه في الحثِّ على إكرام الزوجة وحُسن عِشرتها: (( لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِهَ منها خُلُقًا رَضِيَ منها آخَرَ )) [ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ].

فيَضبِطونَه: (يفرُك) بضم الراء، وهو خطأٌ مُفسِد للمعنى، والصَّواب في ضبطه: (يَفْرَك) بفتح الراء، ومعناه: يُبْغِض، يقال: فَرِكَ الرجلُ امرأتَه يَفْرَكُها: إذا أبغَضَها.

وأكثرُ ما يُستعمَل هذا الفعلُ في بِغْضَة الزوجين، أي: بُغْض الرجل زوجتَه، أو بُغْضها إياه. وأما (يَفْرُك) فمعناه: يدلُك ويَحُتُّ، يقال: فَرَكَ الرجلُ السنبلَ والثوبَ ونحوَهما يَفْرُكُه: إذا دَلَكَه وحَتَّه بيده.

۞ ۞ ۞ ۞

ومن ذلك أيضًا: ما يقعُ في ضبط الحديث: (( الحبَّةُ السوداءُ شِفاءٌ من كلِّ داءٍ إلا السَّامَ )) [ متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة ].

فيَضبِطونه: (إلا السَّامَّ) بتشديد الميم؛ ظنًّا منهم أن المُرادَ بها: ما فيه السَّمُّ، وجذرَها (س م م)، وليس بذاك، والصَّواب فيها أنها مخفَّفةُ الميم، أي: (إلا السَّامَ) وهو: الموت، من الجذر (س و م)، والألفُ فيها منقلبةٌ عن واو.

۞ ۞ ۞ ۞

أخطاءٌ لغويَّـة

في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة (2)

تقدَّم التنبيهُ على ضرورة نِشْدان الصواب في أداء ألفاظ السنَّة النبويَّة؛ فالحرصُ على أدائها على الوَجه الصحيح واجبٌ شرعيٌّ وعلميٌّ، لا يجوزُ التهاونُ به البتَّةَ.

ومما يلحَن فيه بعض الناس ويُخطِئون في ضَبطه من حديث رسول الله :

قولُه مبيِّـنًا أن الله سبحانه قد كتب لكلِّ مخلوق أجلاً، وقدَّر له رزقًا، وما على العبد إلا أن يسعى لتحصيل الرِّزق من الطُّرق الحلال، قال : (( إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوْعي؛ أن نَفْسًا لن تموتَ حتى تَسْتكمِلَ رزقَها؛ فاتَّقوا الله، وأَجْمِلوا في الطَّلَب )) [ أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة، والبيهقي في شُعَب الإيمان، من حديث ابن مسعود ].

فيَضبِطونَه: ( في رَوْعي ) بفتح الراء، وهو ضبطٌ مفسدٌ للمعنى، والصواب: ضمُّ الراء ( في رُوْعي )؛ لأن الرُّوْع هو: القلبُ والنفْسُ، والذِّهنُ والعَقلُ.

والمراد: أن رُوحَ القُدُس - وهو: جبريلُ عليه السلام – نَفَثَ، أي: نفخَ - وَحْيًا وإلهامًا - في قلب النبيِّ  ونفْسِه بالأمر المذكور.

وأما الرَّوْع بالفتح فهو: الفَزَعُ والخَوفُ، وهو غيرُ مرادٍ هنا.

۞ ۞ ۞ ۞



ومن ذلك أيضًا: قولُه  في بيان أهميَّة الدعوة إلى الله، وعِظَم أجر من يَهدي اللهُ به الشاردينَ الضالِّين، مخاطبًا خَتَنَه (زوج ابنته) وابنَ عمِّه عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه: ((فَوَاللهِ، لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رجُلاً واحِدًا خَيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ )) [ متفقٌ عليه من حديث سهل بن سعد].

فيَضبِطونَه: (النِّعَم) بكسر النون؛ لتوهُّمِهم أنها جمعُ نِعْمَة، والحقُّ أنها (النَّعَم) بفتح النون، وهو جمعٌ لا واحدَ له من لفظِه، يُطلَق على جماعة الإبِلِ والبَقَر والغَنَم، وأكثرُ ما يُطلَق على الإبِلِ خاصَّة.

والمراد بحُمْر النَّعَم: كرائمُها وخِيارُها. قال الفيُّومي: وهو مَثَلٌ في كلِّ نفيس ((المصباح المنير)) ( ح م ر ). والعربُ تقول: خيرُ الإبِلِ حُمْرُها وصُهْبُها ( الناقة الصَّهْباء هي: الشَّقْراء أو الحَمْراء ).

۞ ۞ ۞ ۞

أخطاءٌ لغويَّـة

في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة (3)

إذا اعترضَت طريقَ العبد عَقَبةٌ كَؤودٌ، أو استَعصى عليه أمرٌ من أمور الدُّنيا، فسبيلُه الصَّبرُ والالتجاءُ إلى الله بالدعاء، وقد علَّمَنا رسولُ الله  دعاءً تُذلَّل به الصِّعابُ، وتيسَّر به المشاقُّ، وهو قوله: (( اللهُمَّ لا سَهْلَ إلا ما جَعَلتَهُ سَهْلاً، وأنت تَجعَلُ الحَزْنَ إذا شئتَ سَهْلاً )) [ أخرجه ابن حبان من حديث أنس ]، فالله وَحدَه القادرُ على تَفريج الكُروب، وتيسير العَسير.

والحَزْنُ ( بفتح الحاء، وسكون الزاي ): ما غَلُظَ من الأرض وخَشُنَ وارتَفَع. ومعناهُ في هذا الحديث: كلُّ أمر شاقٍّ وَعْر مُتَصَعِّب، وهو عكسُ السَّهْل الهيِّن.

وما أكثرَ ما يُخطئ الخطباءُ والكَتَبَةُ فيضبطونها: الحَزَن ( بفتح الحاء والزاي )، فيُحيلون المعنى عن وجهه المراد؛ لأن الحَزَن كالحُزْن، وهو: الهَمُّ والغَمُّ، ومنه قوله تعالى: } الحَمدُ لله الَّذي أذْهَبَ عنَّا الحَزَن { [ فاطر: 34 ].

۞ ۞ ۞ ۞

ومما يقعُ الوَهَمُ في ضبطه من حديث النبيِّ : قولُه: (( مَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ )) [ متفق عليه من حديث أبي هريرة ].

فيقولون: مُطْل ( بضم الميم )، والصواب: مَطْل ( بفتحها ).

والمَطْلُ: هو تأجيلُ مَوعِد الوَفاء بالحقِّ وتَسويفُه مرَّة بعد أُخرى. وقد عدَّ رسولُ الله  فاعلَ ذلك - مع قُدرته على أداء الحقِّ ( من دَيْن، أو أُجْرة، أو مُكافَأة... ) - ظالـمًا، وقد حرَّم الله سبحانه الظُّلمَ على نفسه، وجعَلَه بين الناس مُحرَّمًا، فيا لسوء عاقبة الظَّلَمة من الأثرياء المُوسِرين الذين يَمطُلونَ عمَّالهم وموظَّفيهم حقوقَهم !!

۞ ۞ ۞ ۞

ومنه أيضًا: قولُه : (( لا رُقْيَةَ إلاَّ مِن عَينٍ أو حُمَة )) [ أخرجه أحمد من حديث عِمرانَ بن حُصَين ].

فيضبطونها: حُمَّة ( بتشديد الميم )، والحُمَّةُ والحُمَّى بمعنًـى واحد، وهو: ارتفاعُ حرارة الجسم من مَرَضٍ وعِلَّة [ من الجذر (ح م م) ]، وليس هذا المرادَ في حديثنا، والصوابُ فيها: تخفيفُ الميم، حُمَة [ من الجذر (ح م ي) ]، وهي: سَمُّ كلِّ ما يَلدَغُ ويَلسَعُ، وتُطلَق أيضًا على الإبْرَة التي بها يُلدَغ ويُلسَع.



۞ ۞ ۞ ۞

أخطاءٌ لغويَّـة

في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة (4)

تقدَّم في الحَلَقات السابقة التنبيهُ على مجموعة من الأخطاء والأوهام التي تقعُ في ضبط بعض ألفاظ حديث رسول الله ، وبيَّـنَّا خطورةَ الخطأ فيها، وما قد يترتَّب على ذلك من خَلط في المعنى وفساد.

ونَعرضُ في هذه الحَلْقَة لخطأ يقعُ فيه خواصُّ طلبة العلم، بَلْهَ العامَّة، وهو: ضبطُ الفعل (تعجز) في قول النبي  : (( المؤمنُ القَويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله منَ المؤمن الضَّعيف، وفي كُلٍّ خيرٌ، احرِصْ على ما ينفَعُك، واستعِنْ بالله ولا تَعْجِز، وإن أصابَكَ شيءٌ فلا تقُل: لو أنِّي فعَلتُ كان كذا وكذا، ولكنْ قُل: قَدَرُ الله وما شاءَ فعَل؛ فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشيطان )) [ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ].

وقلَّما يُضبَط هذا الفعلُ على الصَّواب، وأكثرُ ما يُضبَط في الكتب رَسمًا، ويَنطِقُ به الخطباءُ والمتكلِّمون لفظًا: ( تَعْجَز ) بفتح الجيم، وهو خطأٌ مخالفٌ لما نصَّ عليه غيرُ إمام من شُرَّاح كتب السنَّة؛ من أنها: بكسر الجيم؛ لأن الفعلَ ( عجز ) هنا من العَجْز الذي هو: الضَّعفُ وانقطاعُ الحيلَة دونَ الأمر، فهو بوزن ضَرَبَ، أي: عَجَزَ يَعْجِزُ ( بفتح الجيم في الماضي، وكسرها في المضارع ).

وأما إذا كان بوزن فَرِحَ، أي: عَجِزَ يَعْجَزُ ( بكسر الجيم في الماضي، وفتحها في المضارع ) فيكون من العَجيزَة، وهي: مُؤخَّرُ المرأة، يقال: عَجِزَت المرأةُ تَعْجَزُ: إذا عَظُمَت عَجيزَتُـها.

وذهب الفرَّاء إلى أن الفعلَ عَجِزَ ( بالكسر ) من العَجْز: لغةٌ لبعض قَيْس عَيْلان ( قبيلة عربية )، وذهب غيرُه إلى أنها لغةٌ رديئةٌ. قال الفيُّومي: وهذه اللغةُ غيرُ معروفة عند قَيْس عَيْلان، ونقل عن ابن الأعرابيِّ ( وهو أحدُ أئمَّة العربيَّة ورواتها المتقدِّمين ) قولَه: لا يُقال عَجِزَ الإنسانُ بالكسر: إلا إذا عَظُمَت عَجيزَتُه.

۞ ۞ ۞ ۞

أخطاءٌ لغويَّـة

في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة (5)

لم يدَعْ رسولُ الله  من حقٍّ وخيرٍ إلا وهَدانا إليه ورغَّبَنا فيه، ولم يَترُك من باطلٍ وشرٍّ إلا ونَهانا عنه وحذَّرَنا منه.

ومن الخير الذي حثَّنا عليه: بناءُ المساجدِ وتشييدُها؛ لِما أعدَّ الله سبحانَه لبانيها من الأجر العَظيم والثَّواب الجَزيل في الآخرَة، قال : (( مَنْ بَنى للهِ مَسْجِدًا، ولو كمَفْحَص قَطاةٍ لِبَيْضِها، بَنى اللهُ له بيتًا في الجنَّة )) [ أخرجه أحمد من حديث ابن عباس ].

ومعنى ( مَفْحَص القَطاة ): المكانُ الذي تَبيضُ فيه القَطاةُ وتُفَرِّخ. والقَطاةُ: نوعٌ من الحمام يُضرَب به المثلُ في الاهتِداء.

يُقال: فَحَصَت القَطاةُ فَحْصًا: حَفَرَت في الأرض مَوضِعًا تَبيضُ فيه، واسمُ ذلك الموضِع: ( مَفْحَص ) بفتح الميم والحاء، وجَمعُه: مَفاحِص.

وخُصَّت القَطاةُ بهذا: لأنَّها لا تبيضُ في شجَر، ولا على رأس جبَل، إنما تجعَلُ مَجْثِمَها على بَسيط الأرض، دون سائر الطَّير.

هذا وقد حَمَل أكثرُ العلماء قولَ النبيِّ : (( ولو كمَفْحَص قَطاة )) على أنه تمثيلٌ على جهَة المبالغَة؛ لأن مِقدارَ مَفْحَص القَطاة لا يكفي للصَّلاة فيه. ويُمكن أن يُحملَ على أنه حَضٌّ على التعاون والتعاضُد في بناء بُيوت الله، وبَيانٌ لعِظَم الأجر على ذلك، حتى لو كانَ نصيبُ الفَرد المشترِك صغيرًا كمَفْحَص القَطاة.

ويخطئُ بعضُ الكتَّاب والخُطَباء فيَضبطونها: ( مِفْحَص ) بكسر الميم، بوزن ( مِفْعَل )، والصَّواب أنها كما تقدم: بفتح الميم ( مَفْحَص )، بوزن ( مَفْعَل )؛ لأنها اسمُ مكانٍ من الفعل الثلاثيِّ: فَحَصَ، ومضارعُه: يَفحَصُ ( مفتوح العين )، وما كان كذلكَ فإن اسم المكان منه يُصاغُ على وزن مَفْعَل.

أما ( مِفْعَل ): فوزنٌ من أوزان اسم الآلَة، ومنه: مِبْرَد، ومِقْوَد، ومِنْجَل، ومِقَصّ.

۞ ۞ ۞ ۞

أخطاءٌ لغويَّـة

في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة (6)

شاعَ في لغة الكتَّاب والخطباء اليومَ أنواعٌ من اللَّحْن والغَلَط، ولعلَّ من أكثر أضْرُب الخطأ ذُيوعًا: التخليطَ في أبنية الأسماء والأفعال، مع أن كثيرًا من هذه الأسماء والأفعال تكون واردةً على وَجهها الصَّحيح في الكتاب العَزيز وفي السنَّة النبويَّة المشرَّفَة.

ومن الأفعال التي يَكثُر الخطأ في ضَبطها: الفعل ( يلبس )، فقلَّما يُصَرِّفونه من بابه الصحيح، ومن ذلك ما يَستشهدُ به بعضُ الوعَّاظ من حديثٍ يُروى عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسولَ الله  قال: (( يَخرُجُ في آخِرِ الزَّمان رجالٌ يَخْتِلونَ الدُّنيا بالدِّين، يَلْبَسُونَ للناسِ جُلودَ الضَّأْن من اللِّين، ألسِنَتُهُم أحلى من السُّكَّر، وقُلوبُهُم قُلوبُ الذِّئابِ .. )) [ أخرجه الترمذي، وهو حديث ضعيف ].

والمرادُ بقوله: يَخْتِلونَ الدُّنيا بالدِّين، أي: يَطْلُبونَ الدُّنيا بعمل الآخِرَة. وقوله: يَلْبَسُونَ للناسِ جُلودَ الضَّأْن: كنايةٌ عن إظهار اللِّين للناس، مع أن قلوبَهم تُكِنُّ خلافَ ذلك.

فيَضْبطونَ قوله ( يلبسون ): بكسر الباء، وهو خطأٌ يَجْنَحُ بالمعنى عن وَجهه. والصَّواب: أن هذا الفعلَ - في هذا السِّياق - من باب ( تَعِبَ )، نقول: لَبِسَ الرجلُ الثَّوبَ يَلْبَسُه ( بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المضارع ): إذا استَتَر به وأفرَغَه على جِسْمِه.

وقد وردَ الفعلُ بهذا المعنى في مواضِعَ من كتاب الله تعالى، منها قولُه سبحانَه في وَصْف أهل الجنَّة من المؤمنينَ المحسنين: } يَلْبَسُونَ من سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلينَ { [ الدخان: 53 ]، ومنها قولُه: } وهُوَ الَّذي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأكُلُوا مِنهُ لحَمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها { [ النحل: 14 ].

ويأتي هذا الفعلُ من باب ( ضَرَبَ ) ولكن بمعنى: الخَلْط، يقال: لَبَسَ عليه الأمرَ يَلْبِسُه أي: خَلَطَه عليه وجَعَلَه مُشْكِلاً حتى لا يَعرفَ حقيقَتَه. ومنه قولُه تعالى: { ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنتُم تَعْلَمُونَ { [ البقرة: 42 ]، وقولُه: { الَّذينَ آمَنُوا ولم يَلْبِسُوا إيمانَهُم بِظُلْمٍ أولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وهُمْ مُهْتَدُونَ{ [ الأنعام: 82 ].

۞ ۞ ۞ ۞

أخطاءٌ لغويَّـة

في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة (7)

تتصرَّفُ الأفعالُ الثلاثيَّةُ المجرَّدةُ في العربيَّة من ستَّة أبواب؛ تَضْبطُ حركةَ عين الفعل في الماضي والمضارع، وقد جُمعَت هذه الأبوابُ - مرتَّبةً بحَسَبِ كَثْرَة دَوَرانها - في بيتٍ من النَّظْم هو:

فَتحُ ضَمٍّ، فَتحُ كَسرٍ، فَتحَتانْ كَسرُ فَتحٍ، ضَمُّ ضَمٍّ، كَسرَتانْ

فالبابُ الأوَّلُ وزنُه: ( فَعَلَ يَفْعُلُ )؛ مثالُه: نَصَرَ يَنْصُرُ، والبابُ الثاني وزنُه: ( فَعَلَ يَفْعِلُ )؛ مثالُه: ضَرَبَ يَضْرِبُ، والثالثُ وزنُه: ( فَعَلَ يَفْعَلُ )؛ مثالُه: فَتَحَ يَفْتَحُ، والرابعُ وزنُه: ( فَعِلَ يَفْعَلُ )؛ مثالُه: فَرِحَ يَفْرَحُ، والخامسُ وزنُه: ( فَعُلَ يَفْعُلُ )؛ مثالُه: كَرُمَ يَكْرُمُ، والسادسُ وزنُه: ( فَعِلَ يَفْعِلُ )؛ مثالُه: حَسِبَ يَحْسِبُ.

وقد يأتي الفعلُ الواحدُ من بابَين أو أكثَرَ، بمعنًى واحدٍ، أو بمعانٍ مختلفَةٍ، ولا بُدَّ من تحرِّي الدقَّةِ في ضَبْط هذه الأفعال، وتَجَنُّـبِ الخَلْط بينها.

ومنَ الأفعال التي قلَّما يُصيبُ الكتَّابُ والخُطَباءُ في ضَبطها: الفعلُ ( يكبر ) في قول النبيِّ : (( رُفِعَ القَلَمُ عَن ثَلاثَةٍ: عَن النَّائمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وعَن المُبْتَلى حَتَّى يَبْرَأَ، وعَن الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبَرَ )) [ أخرجه أبو داود من حديث أم المؤمنين عائشة ].

فإنَّهُم يَضْبطونَه ( يَكْبُر ) بضَمِّ الباء، والصَّوابُ فَتحُها: ( يَكْبَر )، فهذا الفعلُ يكونُ من الباب الرابع إذا أُريدَ به التقَدُّمُ في السِّنِّ؛ نقول: كَبِرَ الرجُلُ - أو الحَيَوانُ - يَكْبَرُ: إذا تقَدَّمَ في السِّنِّ.

ومنه قَولُه تعالى: { وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ } [ النساء: 6 ].

والمُراد: لا تأكُلوا أموالَ اليَتامى مُسرِفينَ ومُبادرِينَ كِبَرَهُم، أي: مُسارِعينَ في إنفاقِها؛ مَخافَةَ أن يَكْبَروا فيأخُذوها منكُم.

ويكونُ هذا الفعلُ من الباب الخامس، إذا قُصِدَ به العِظَمُ، نقول: كَبُرَ الهَمُّ يَكْبُرُ: إذا عَظُمَ. ومن ذلك قَولُه تعالى: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا } [ الكهف: 5].

قال الزَّمَخْشَريُّ في (( أساس البلاغة )): كَبُرَ الرجُلُ في قَدْرِهِ، وكَبِرَ في سِنِّهِ.

۞ ۞ ۞ ۞

أخطاءٌ لغويَّـة

في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة (8)

الإسلامُ دينُ الفِطرَة، وشريعَتُه شريعَةٌ سَمْحَة، تقدِّر أحوالَ المؤمنين وحاجاتِهم، فلا تُعْنِتُهُم ولا تُكَلِّفُهُم من أمرِهم عُسْرا، بل تَنأى بهم عن المشَقَّة والعُسْر إلى التخفيف واليُسْر.

ومن هَدي النبيِّ  في التيسير: توجيهُه المصلِّيَ الذي يجدُ في صلاة الليل النُّعاسَ والإعياءَ، إلى أن يُخْلِدَ إلى الرَّاحَة والدَّعَة، حتى يذهبَ عنه النومُ والنَّصَب، ثم يقومَ ويصلِّيَ ما شاء من الركَعات؛ نَشيطَ الجسَد، حاضِرَ القلب والعقل؛ لأن الصَّلاةَ تَضيع ثَمَرتُها المُرْتَجاةُ وتَفقِدُ معناها مع ثِقَلِ الرأس ووَطْأَة النَّعْس، بل قد يَفُوهُ الناعسُ في صلاته بما لا يَليق من كلام!

يقول  : (( إذا نَعَسَ أحَدُكُمْ وهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُد حتَّى يَذْهَبَ عنهُ النَّومُ؛ فإنَّ أحَدَكُم إذا صَلَّى وهُوَ ناعِسٌ، لعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فيَسُبُّ نَفْسَه )) [ متفق عليه من حديث عائشة ].

وما يعنينا التنبيهُ عليه في قول النبيِّ  هو الفعلُ ( نعس )، فقلَّما يُصَرَّفُ من بابه الصَّحيح، وغالبًا ما يُضْبَط خَطأً: نَعِسَ، يقولون مثلاً: نَعِسَ الطِّفلُ يَنْعَسُ، متوهِّمينَ أن هذا الفعلَ من الباب الرابع ( باب: فرح )!

والصَّواب: أنه من الباب الأول ( باب: نصر )، نقول: نَعَسَ الطِّفلُ يَنْعُسُ.

ويأتي في لغةٍ أُخرى من الباب الثالث ( باب: فتح )، نقول: نَعَسَ الطِّفلُ يَنْعَسُ.

وبهذا نلاحظُ أن الفعلَ ( نعس ) لا يكون في الماضي إلا مفتوحَ العين، في حينِ يجوزُ في مُضارعه الضَّمُّ والفَتحُ.

۞ ۞ ۞ ۞

ومن الأفعال التي يكثُرُ الخطأُ في ضَبْطها أيضًا: الفعل ( يعمد )، ففي الحديث عن ابن عبَّاسٍ : أن رسولَ الله  رأى خاتَمًا من ذَهَبٍ في يد رجُل، فنَـزَعَهُ فطَرَحَهُ، وقال: (( يَعْمِدُ أحَدُكُم إلى جَمْرَةٍ من نارٍ فيَجْعَلُها في يَدِه؟! ))، فقيلَ للرجُل بعدَما ذهبَ رسولُ الله  : خُذ خاتَمَكَ انتَفِعْ به، قال: لا واللهِ، لا آخُذُه أبدًا وقد طَرَحَهُ رسولُ الله  [ أخرجه مسلم ].

فالفعلُ ( يَعْمِدُ ) مضارع ( عَمَدَ )، بمعنى: قَصَدَ، يتصَرَّفُ من الباب الثاني ( باب: ضرب )، يُقال: عَمَدَ المظلومُ إلى القَضاء يَعْمِدُ.

ويُخْطِئُ من يَجعَلُ هذا الفعلَ من الباب الثالث فيقول: عَمَدَ يَعْمَدُ.

ولكنَّه يأتي منَ الباب الرابع، أي: عَمِدَ يَعْمَدُ، ولكن بمعانٍ أُخْرى مُجانِفَةٍ لمعنى ( القَصْد ) المرادِ في الحديثِ المذكور.

۞ ۞ ۞ ۞

أخطاءٌ لغويَّـة

في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة (9)

صَعِدَ خطيبٌ المنبرَ في أول جُمُعةٍ من رمضانَ، وألقى خُطبةً بليغةً عصماءَ، عن فضل شهر الصَّوم، يرغِّب فيها المسلمين باغتنام الشَّهر الكريم بالعبادة والطاعات، ويَحُثُّهُم على الإكثار من النَّوافل والقُرُبات.

وكان مما استشهَدَ به الخطيبُ على فضيلة الصِّيام، قولُ النبيِّ  : (( الصِّيامُ جُنَّة )) [ متفق عليه من حديث أبي هريرة ]، ولكنَّه أخطأ في ضَبطه، وصحَّف نُطقَه، فجعلَه: ( جَنَّة ) بفتح الجيم!

ولم يَفتأ يكرِّر الحديثَ، ويعيدُه مَلحونًا محرَّفًا، يقول: الصِّيامُ جَنَّة، نعم أيها الإخْوَة، الصِّيامُ جَنَّةٌ عَرضُها السماواتُ والأرضُ، الصِّيامُ جَنَّةٌ فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشَر.

كلُّ هذا وهو يفتح الجيم؛ متوهِّمًا أن المرادَ في الحديث: الجَنَّة، التي هي دارُ النعيم التي أعدَّها الله في الحياة الآخرة لأهل طاعَته من عباده المؤمنين، جَزاءً وِفاقًا؛ لإحسانهم في الحياة الدُّنيا.

وما إن نزلَ الخطيبُ عن المنبر حتى بادَرَه أحدُ المصلِّين بقوله: ولكنَّ الحديثَ يا شيخنا: (( الصِّيامُ جُنَّة )) بضم الجيم، أي: أنه وِقايَةٌ وسَتْر.

فأُسقِطَ في يد الخطيب المسكين، وانقطَعَت دونه مسالكُ الاعتذار، وعَقَدَ لسانَه الاستحياءُ من هذا الموقف الحَرِج العَصيب، الذي لا يُحسَد عليه البتَّة.

ولو أنَّ الخطيبَ اطَّلَع على الروايات الأُخرى للحديث، لكان سَلِمَ مما وَقَعَ فيه، ومن تلك الروايات روايةٌ صريحةٌ بيِّنة، وهي بلفظ: (( الصَّومُ جُنَّةٌ منَ النَّار )).

ومن هنا قال الإمامُ ابن العربيِّ المالكيُّ في تفسير الحديث: إنما كانَ الصَّومُ جُنَّةً من النار؛ لأنه إمساكٌ عن الشَّهَوات، والنارُ مَحفوفَةٌ بالشَّهَوات، فالحاصِلُ أنه إذا كَفَّ نفسَه عن الشَّهَوات في الدُّنيا، كان ذلكَ ساتِرًا له من النار في الآخِرة.

۞ ۞ ۞ ۞



أخطاءٌ لغويَّـة

في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة (10)

حثَّنا رسولُ الله ﷺ على أن نُتبعَ شهرَ الصوم رمضانَ، بصيام ستَّة أيام من شَوَّال، وبيَّن الأجرَ العظيم الذي أعدَّه الله لصائمي تلك الأيام بقوله: (( مَن صامَ رمضانَ، ثم أتبَعَهُ ستًّا من شَوَّالٍ، كانَ كصيامِ الدَّهْرِ )) [ أخرجه مسلم من حديث أبي أيوبَ الأنصاري ].

ولقد أطلقَ العامَّةُ على هذه الأيام اسمَ: الأيامِ البِيْضِ، وهو خلطٌ منهم ووَهَم؛ ذلك أن الأيامَ الستةَ من شَوَّالٍ لا تسمَّى الأيامَ البِيْضَ! وهذا كغلطهم في إطلاقهم اسمَ صلاة الأوَّابين على ركَعات يُتَنَفَّل بها بين المغرب والعشاء، مع أن النبيَّ ﷺ بيَّن لنا في أحاديثَ صريحةٍ: أن صلاةَ الضُّحى هي صلاةُ الأوَّابين.

والصواب: أن أيامَ البِيْضِ التي رغَّبَنا رسولُ الله ﷺ في صومها هي: ثلاثةُ أيام محدَّدة من كلِّ شَهر، فعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ أن نصومَ من الشهر ثلاثةَ أيامِ البِيْضِ؛ ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ. [ أخرجه ابن حبان ]، وقال ﷺ: (( صيامُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ صيامُ الدَّهْر، أيامِ البِيْضِ؛ صبيحةَ ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ )) [ أخرجه النَّسائي من حديث جَرير بن عبد الله ].

وجعلُهم البيضَ صفةً للأيام، في قولهم: الأيامُ البيضُ، غلطٌ أيضًا، والصواب: أيامُ البيضِ، والمراد: أيامُ الليالي البيضِ، وهي الأيامُ الثلاثةُ المذكورةُ في الحديث.

وسمِّيت لياليها بيضًا؛ لأن القمرَ يطلُعُ فيها من أوَّلها إلى آخرها.

قال الجَواليقيُّ: من قال: الأيامُ البيضُ، فجعل البيضَ صفةَ الأيام، فقد أخطأ.

وقال ابن الأثير: أكثرُ ما تجيءُ الرواية: الأيامُ البيضُ، والصواب: أيامُ البيضِ بالإضافة؛ لأن البيضَ من صفةِ الليالي.

وقال النَّوويُّ: ويقعُ في كثير من كتب الفقه وغيرها: الأيامُ البيضُ، وهو خطأٌ عند أهل العربيَّة، معدودٌ في لحن العامَّة؛ لأن الأيامَ كلَّها بيضٌ، وإنما صوابه: أيامُ البيضِ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أخطاءٌ لغويَّـة في ضَبط ألفاظ السنَّة النبويَّـة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الفتن  :: منتديات منوعة :: منتديات منوعة :: المنتدى الثقافي-
لوحة الشرف لشهر نوفمبر 2016
115 عدد المساهمات
45 عدد المساهمات
40 عدد المساهمات
35 عدد المساهمات
6 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
2 عدد المساهمات
1 مُساهمة
جميع الحقوق محفوظة
جميع الحقوق محفوظة لـكل مسلم
منتديات الفتن® www.alfetn.org
حقوق الطبع والنشر © 2016

منتدى الفتن